March 31st, 2012

الحائط السوري

إني آمل في تدوينتي  هذه وبحكم أني مواطن سوري، أن أدلي بدلوي وأن أشارك برؤيتي الشخصية حول نصرة ثورتنا المباركة والإشارة إلى مواطن ضعفها – من وجهة نظري – والإرتقاء بها حتى سقوط النظام وتحقيق سوريا الحرة التي طال انتظارها.

إن من أبرز ما يميز سوريا هو الفسيفساء العرقية والمذهبية التي أعطت لسوريا رونقها خلال قرون عدة، لكن هذا التنوع قد بات يشكل عائقا أمام الخلوص لرؤية واضحة للخروج من مستنقع الإبادة الجماعية التي تمارس على الأكثرية الطائفية في سوريا، فلا تكاد مشاركة كافة الأطياف في تحديد مسار الثورة ترسم إطارا موحدا يخرجنا منتصرين، ولا تجاهل عناصر المكون السوري يعطي نتيجة أفضل، فما هو الفخ الذي وقعت فيه ثورتنا دون غيرها من الثورات؟

لقد ضاق الخناق على الثوار في الشام، ودأب الجميع على البحث عن أفضل السبل – وإن لم تكن أقصرها وقتا – للخروج منتصرين وبأقل الخسائر، فشارك معنا السني والمسيحي والعلوي والدرزي والملحد والليبرالي والمحافظ وكل من قال أنا سوري، وأنا أقول، جزى الله خيرا كل من أراد لسوريا خيرا، ولكل محب وطني ألف تحية وأعمق امتنان.

  ولكننا نسينا أو تناسينا أن أهل السنة والجماعة كمكون مذهبي يمثل ما يزيد عن ال 74% من سكان سوريا الحالية، وأنهم بطبيعة الحال أغلبية ساحقة لها حقوقها وطقوسها واعتزازها بمعتقدها، إن همّ نظام الأسد الأول والأخير لأربعين سنة مضت كان يتمثل في فصل الإنتماء السني وطمس الهوية السنية في المدن الكبرى قدر المستطاع، لما في هذا الإنتماء من تعارض مع أجندة هيمنته على سوريا، وما إن انفجر الشعب السوري – ذو الغالبية السنية – في وجه النظام الطائفي حتى سارعت جميع القوى الدينية والعلمانية الأخرى لنفي الصبغة الإسلامية عن الثورة، ونحن إن كنا لا ندعي أن ثورتنا جهاد مخطط، إلا أننا لن نستطيع فصل العامل العقائدي الذي تسلح به أغلب الثوار وقوّى من عزائمهم في وجه الإرهاب الذي سلطه النظام على الشعب، وهنا وجب على الجميع الاعتراف أن غالبية الثوار هم من أهل السنة وأن معظمهم مطبقون لأحكام دينهم وينظرون لمظاهراتهم كجهاد لدفع الظلم وإعلاء كلمة الحق وأن ضريبة هذه الكلمة قد تكون الدماء ومكافاة هذه الدماء هي جنة عرضها السماوات والأرض.

إن كنا قد وعينا ما سبق، فإننا ندرك أن من يقود الثورة ينبغي أن ينتمي لنفس الفئة، وأن من تكفل بذراعها العسكري والسياسي يتوجب عليه بالضرورة أن ينبثق من نفس القوى المحركة والفاعلة على الأرض، ليس لأن العناصر الأخرى مهمشة أو سلبية، بل لأن الثورات تاريخيا لا تستقيم في ظل هذا التعارض.

إن المعضلة الأساسية التي نمر بها الآن، هو مشاركة جميع أصوات المعارضة في العملية السياسية دفعة واحدة بنسبة عشوائية لا تحاكي النسب الموزعة ديموغرافيا في سوريا، فمن وجهة نظري لا يستقيم تنصيب برهان غليون ذو التوجه العلماني رئيسا للمجلس الوطني لأنه لا يمثل طائفة الأغلبية الساحقة التي ثارت في الداخل، إن وجود غليون وبسمة القضماني وجورج صبرا وبسام جعارة في المجلس الوطني أمر مشرف بل هو مطلوب، على ألا يهمشوا أعضاء المجلس الوطني من الطائفة السنية الممثلة وبشكل مباشر للثوار على الأرض.

جميعنا متفقون بأن مطلبنا واحد وهو الحرية، ولكن لا يصح أن يدار هذا المطلب من خلال المزيج الطائفي الذي سلمناه زمام الثورة، إن سوريا دولة مسلمة سنية بحكم غالبية سكانها، لذا وجب تسليمهم حق المصير قبل غيرهم، ومع احترامنا لباقي الطوائف، نحن لا ننفي مشاركة الجميع في عملية ولادة سوريا الحرة، ولكنه ليس من العدل أن نساوي بين تضحيات السنة مع غيرهم.

إن ما ارتكبه الهالك جمال عبد الناصر في نسف هوية سوريا الأصلية ليستحق عليه اللعن في كل لحظة، إن فرض كلمة “العربية” على اسم جمهوريتنا لهو إجحاف مثير للإشمئزاز وتهميش جائر للأخوة الأكراد والآشوريين والتركمان والأرمن والشركس والأتراك، إنها لمزايدة رخيصة لعب على وترها طاغوت كعبد الناصر وحافظ الأسد، وإذا بنا نقع في نفس الظلم عندما يسعى كل فريق لتجريد الثورة السورية من طبيعتها السنية التي جسدها الثوار على الأرض.

إن إسراف الثوار والمعارضة في إخفاء الهوية السنية التي تتسم بها الثورة سعيا منهم لتطمين الأقليات وإثبات وسطية الثورة وبراءتها من التطرف الديني، هو في حد ذاته إفساد للثورة من الداخل، فلا يصح ان يترك السنة تشكيل ملامح سوريا الجديدة لغيرهم، هم من بادر وهم من ضحى وهم من يجدر بهم أن يقطفوا ثمار ما بذروه، فإن قال قائل، إن في ذلك إجحافا للأقليات وتمهيدا لدولة دينية (ثيوقراطية) متطرفة تهدد أمن الداخل والخارج، فنحن نقول، إن هذا قرار من رفع شعارات “الله أكبر” و”هي لله” و”واحد واحد الشعب السوري واحد سلمية إسلام ومسيحية”، فإن كنتم لا تأمَنون هذه الغالبية التي ذاقت ولا زالت تذوق الويلات في سبيل تحقيق حرية وطنكم فأعلنوها صراحة أنكم مع النظام الطائفي الذي تدعمه روسيا والتي صرحت عنوة بتخوفها من عودة نظام سني (رغم الأغلبية الساحقة)، وإلا، فدعوا الثورة السورية تأخذ مسارها الصحي بجعل عقيدة السنة دستورا يمشي الثوار على نوره، فلا يصح أن نترك القيادة لأقلية يتعارض فكرها مع فكر السواد الأعظم، روحيا وميدانيا وسياسيا وعسكريا، إن في تسليم الخطاب الإسلامي السني قيادة الثورة مصلحة الأطياف جميعا، وضرورة تفرضها هذه المرحلة الخانقة التي انقسم بها كل الأطراف بمن فيهم السنة لافتقادهم للبوصلة الحقيقة التي كانت معهم طول الوقت دون أن يعلموا.

وللتذكير، ما ذكر آنفا ليس من قبيل الطائفية، إن الطائفية ليست التحذير من العقائد الشركية والمذاهب الضالة في خطب الجمعة في الدول ذات الأغلبية السنية، إن الطائفية هو أن أدير شركة فأطرد الموظف النشيط الغير سني لأوظف سنيا كسولا عوضا عنه على أساس طائفي، ليست الطائفية التحذير من تسليم قيادة الجيش والأمن لطائفة معينة، ولكن الطائفية حرمان طائفة بعينها من حقوقها التي لا تتفق مع أجندة أعداء خارجيين.

من المؤسف أن نرى التاريخ البشري حافلا بطائفية حقيقية ونحن لا نزال نقدم التنازلات تلو التنازلات، فرضت إيران ثورة “إسلامية” على شعب يشكل نسبا متفاوتة بين شيعة ومجوس ويهود ومسيحيين وسنة وصابئة ويارسانية وبهائية وعلمانيين وملاحدة، وإن كنت أظن أن ذلك حقهم في حال لاقى تأييد الأغلبية ولم يظلم مواطنا، إلا أني أستغرب المعايير المزدوجة من الغرب والعرب على حد سواء، فلماذا هي حلال على إيران التي أجرمت بحق السنة والأهوازيين العرب لقرون، وحرام على سوريا موطن الأمويين الذين صانوا حقوق الأقليات كالمسيحية واليهود الذين لم يهجّروا حتى من قلب دمشق القديمة طوال 1400 !؟

إن الطائفية هي التي دفعت الإسبان لعمل محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود والتي قادتهم لغزو أمريكا الجنوبية واستعباد الهنود الحمر، إنها الطائفية ذاتها التي دفعت سلالة الصفوي الحاكمة لذبح السنة في إيران والتي ألهمت حسن نصر الله إرسال حزبه لذبح السوريين، إنها الطائفية التي دفعت العرق الأبيض البريطاني لاستعمار الهند والصين ومصر، ذات العرق الذي يقود العالم الآن بعنجهيته وعنصريته، ونحن منهمكون في تهميش ديننا الذي هو عصمة أمرنا في سبيل إرضاء الأقليات والعالم بأسره على حساب المكون الرئيس للكيان الجفرافي الذي هو موضوع هذا المخاض التاريخي أصلا.

إن من وجهة نظري “الطائفية” هو أن نسلم راية القيادة للخطاب الديني السني الذي هو في طبيعته متزن وعادل وممثل للأغلبية، لأن فيه خير وسعادة الأطياف كافة، والتاريخ خير دليل على ذلك، وحدها المرجعية الإسلامية السنية كفيلة بإعطاء الحلول حول معضلات ثورتنا المباركة، بها نعرف متى نسلح ومتى نبقيها سلمية ومتى ننهيها إن اضطررنا ومتى نتحالف ومع من وكيف وما هو موقفنا من الخصوم وكيف نتعامل معهم.

March 25th, 2012

الحائط السوري

مما لا شك فيه، أن ثورة الشعب السوري هي ثورة لا تشبه ثورة أخرى، فلن نجد نظيرا لها مهما أطلنا البحث في التاريخ البشري، هي ثورة ليست كباقي الثورات، لشعب ليس كباقي الشعوب، في بلد خرج عن السياق التاريخي للأمم، كبيرها وصغيرها.

وإن كنا قد آمنا بما سلف، فلا نعجب من أن تحمل ثورة الخامس عشر /الثامن عشر من آذار الكثير من الأسماء، فتارة نسميها ثورة الكرامة، وتارة نسميها ثورة الحرية، وتارة نسميها الثورة اليتيمة، إلا أن أكثر اسم أثار اهتمامي شخصيا، هو اسم “الثورة الفاضحة” لِما فجر هذا الاسم من خواطر وآلام كبتُّها على مدى سنين طويلة وأنا أنتظر الحدث الذي يعري عالم النفاق والإفك الذي نعيش فيه، ولولا أن ثورة الشعب السوري تستنزف أرواح وأعراض أهلنا، لتمنيت أن تستمر حتى تعود الراية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. تلك الثورة الخافضة الرافعة، التي رفعت أقواما أسأنا الظن بهم، وخفضت أقواما كنا نظنهم في عليين، ثورة فضحتني لتقصيري، وفضحت كل فرد منا خلال مرحلة قد لا نكون على نفس قدرها من الإيمان والهمة.

ماذا فضحت ثورة الشعب السوري وكيف؟

ما يلي هو يعض النقاط مثالا لاحصرا عن قضايا مغلوطة تعارف عليها كثير من الناس وغُيِّبت حقائقها المرة عنهم بسبب هيمنة الإعلام الموجه والأنظمة العربية والغربية الفاسدة والتي أينعت وآن وقت قطافها:

١- نظام الممانعة والمقاومة: بالرغم من أن النفس السوية ذات الفطرة السليمة لا تحتاج لثورة عارمة لتفك شيفرة أسطورة الممانعة الأسدية، إلا أنه وبحكم الغربة في زمن أضاع فيه العرب معنى الكرامة والوطن والسيادة، فإن هذه الشعارات وجدت طريقها لأقوام ابتلاها الله بعمى القلوب، فما الفرق بين مصدق لمقاومة صهاينة البعث ومكذب لدجلهم إلا معيار البصيرة، فلم ينتفض من درعا ودوما وبانياس أساتذة وأكادميون وخبراء، إنما انتفض من كان قلبه نقيا من شوائب الشعارات والأقوال البالية، التي أوردتنا المهالك والخسران.

فبعد أيام قليلة من بداية الثورة، ها هو آصف شوكت، ينطلق إلى أسياده بنيامين نتنياهو وعاموس جلعاد كما ينطلق الكلب لجلب عظمة ألقاها سيده، ليبحثوا سبل قمع الانتفاضة التي تهدد وحدة مصالحهم المشتركة في الهيمنة على بلاد الشام، وهاهي الصحافة الإسرائيلية المتشددة، والتي لا تتردد بمهاجمة حكومتها إن ظنت ولو لوهلة أن مصلحة اليهود في خطر، تتحدث عن بشار الأسد، ملك إسرائيل وحامي حماها، في المقال التي نشرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية والتي وصفت بشار الأسد بالديكتاتور المفضل لدى الإسرائيليين الذي أبقى جبهة الجولان هادئة منذ ١٩٧٣ ، ناهيك عن حقيقة أن حاخامات إسرائيل تصلي الرب أن يبقي على بشار لما رأوه من إخلاص وتفان في دعم المشروع الصهيوني وقتل للروح الإسلامية والوحدة العربية. ولا يزال جيش بشار، يخترق المجال الجوي الإسرائيلي بعد أخذ الإذن لضرب ثوار درعا، وطائرات الاستطلاع الإسرائيلية تحوم في سماء حمص للكشف عن مواقع الجيش الحر، ولا يزال الجولان المحتل “الجبهة” الأهدأ على الاطلاق.

 إن تصريح اللص رامي مخلوف في صحيفة نيويورك تايمز، وطلب إسرائيل الصريح من أمريكا تخفيف الضغط على بشار، وتأييد ٨٩٪ من الإسرائيليين للفيتو الروسي والصيني، وارتياح الصحافة والأوساط الإسرائيلية لاقتحام بابا عمرو لحقائق كافية تجبرنا أن نكفر بشعارات العروبة والممانعة التي أفسدوا بها عيشنا لأربعين خريفا أسودا، ربما ما كان لكثير منا ادراكه حتى اندلعت ثورة شعبية أخرجت بديلا أخلاقيا ناجعا لهذه الترهات التي لم تخدع إلا نفسها وسفهاء القوم.

٢- المحور السوري الإيراني: والمتمثل بحكومة ولاية الفقيه الإيرانية والحكومة الأسدية وحزب الله والموالين لهم كحركة أمل والمؤسسات الاعلامية التابعة، والتي شخصيا خدعتني لفترة قصيرة بعد مسرحية حرب تموز ٢٠٠٦ التي مدت نفوذ عصابة حزب الله في لبنان، وزادت من أسهم النظام الأسدي عند المخدوعين في سوريا وغيرها.

لن أنسى اليوم الذي نزلت فيه لمقهى الانترنت في دمشق، حيث التفت يمنة ويسرة لأشاهد النازحين اللبنانيين من ضاحية الجنوب وقد لجؤوا إلى الأراضي السورية واستقبلهم شعبنا بحفاوة بالغة، لتدور الأيام، وتمنع عصابات الضاحية نفسها نزوح السوريين الأبرياء، بل وتتعقبهم في لبنان وتسلمهم لإخوانهم في البهيمية في سوريا. لقد تحولت صورة حسن نصر الله من مقاوم شريف إلى مجرم طائفي، يمتدح الثورات العربية ويتعامى عن ثورة سوريا بطائفية مقيتة فاضحة أفسدت عناء عقود من التقية والمسرحيات الإعلامية وبددت الأموال الطائلة المنتزعة من لقمة المواطن الإيراني الذي تنازل عن خمس دخله إلى الأبد (رغما عنه) دعما لشعوبية حكومته الإجرامية في العراق وأفغانستان ولبنان وسوريا والبحرين. ولا يزال خامنئي ونصر الله، يدعمان بشار بصفاقة، عسكريا ومخابراتيا ولوجستيا لقمع ثورة شعب لطالما نظر إليه الفرس كأعداء أبديين من بني أمية.

٣- الغرب (العالم الحر): مرت سنة على الثورة السورية، ولم يكن وقع القمع الوحشي على الشعب السوري أقل وجعا من نفاق المجتمع الغربي المفضوح عنوة، إدانات وشعارات وجلسات ومؤتمرات لم تمنح النظام وقتا إضافيا للاستمرار بوحشيته فحسب، بل أهدته حججا يستخدمها النظام في إعلامه لتخوين الثوار والمعارضين ولجذب المزيد من المؤيدين من صغار العقول.

ماذا استفاد الشعب من الإدانات الغربية دون التحرك الميداني؟ ألم تدعم إداناتهم الفارغة نظرية المؤامرة البلهاء التي لم يمل إعلام النظام من ذكرها؟ ألم يكن الفيتو الروسي والصيني محضرا مسبقا وبعلم بل برغبة بقية الدول الأعضاء؟ هل قدمت قرارات استدعاء السفراء (ثم إعادتهم) واجتماعات مجلس الأمن إلا التأكيدات على أطروحة التحالف الكوني على نظام الممانعة الثرثارة؟ كل هذا يتم في الوقت الذي تدك فيه المدن السورية ويذبح فيه الأطفال والخدج دونما رادع ولا رقيب ولا حسيب، والنظام يتباهى باجتياز الأزمة و”إفشال” خطة تقسيم سوريا رغم أن كل المؤشرات على الأرض تشير إلى أن خطة التقسيم تمضي على قدم وساق كما يريده نظام الأسد الصهيوني.

إن مقتل الصحفية الأمريكية ماري كولفن والمصور الفرنسي ريمي أوشليك في بابا عمرو على أيدي كتائب الأسد، وإجلاء الجيش الحر وحده لمن تبقى من الصحفيين الأجانب لهو برهان جلي على تحالف الغرب الصارخ مع هذا النظام الذي في المقابل تعهد بصون أمن إسرائيل ما بقي، يبدو لي أن أوروبا وأمريكا حريصتان أشد الحرص على سلامة رعاياهما إلا إذا تعارض هذا مع مصلحة حليفتهم إسرائيل، فالمواطن الصهيوني عندهم لا يعدله مواطن، ولا قيمة لمواطن أمريكي أو فرنسي أو سوري، طالما لم يحمل جواز سفر إسرائيلي

وحتى هذه اللحظة، لم نرى من تركيا إلا الإدانات والشعارات والدعم الشفهي والإخفاق الأمني في حماية رمز التضحية والبطولة المقدم حسين الهرموش، وإنه لمن المؤسف أن يظن بعض الأتراك أنهم فدموا واجبهم باستقبال اللاجئين، ونحن نقول لهم، لا تمنوا علينا واجبكم الإنساني، بل نحن نمن عليكم أن أسقطنا نظاما ههدد حدودكم الجنوبية بسبب دعمه حزب العمال الكردستاني الذي قض مضجعكم لعقود.

٤- منظمة التعاون الإسلامي والمنظمات الإنسانية والإغاثية العالمية: مختصر الكلام، لو حصلت مأساة سوريا في مكان آخر، لما كانت ردة فعل هذه المنظمات كردة فعلها اليوم تجاه الأزمة السورية، لا أدري كيف لا يزال يُنظر لهذه المنظمات كمنظمات مستقلة تتمتع بالشفافية؟ لا أدري كيف أضيفت كلمتا “الإسلامي” و “الإنسانية” في منظمات تتبع الإملاءات الخارجية وتتأثر بشكل مباشر بقانون البقاء للأقوى؟ على هذه المنظمات أن تعلن تبعيتها صراحة وإن كانت مستمرة في أعمالها الخيرية، احتراما لعقولنا ووضعنا في حدود الواقع الأليم.

٥- معممي الشيعة الإثني عشرية وشيوخ النصيرية: لم نسمع – ولن نسمع – كلمة إدانة واحدة من أي معمم شيعي ولا من أي رجل دين نصيري بل وجدنا على النقيض دعما أعمى وغير محدود بالسلاح والمال والقتلة من إيران والعراق وجنوب لبنان والمناطق ذات الأغلبية العلوية في سوريا، هذه مع الأسف حقيقة كافية للجميع للتيقن من فساد هذه العقائد الباطنية التي هي بلا شك صنيع الصهيونية التي سخرت هذه العقائد لتدمير الإسلام من الداخل.

أذكّر الأخوة أن في هذه النقطة تعميم على رجال الدين الإثني عشرية والنصيرية كافة وبلا أي استثناء، ولكني استثني من العوام كل إنسان رفض ما تأمره به هذ العقائد المنحلة واستمع لصوت ضميره وإنسانيته، وهم مع الأسف الشديد قلة بل أقل من أن يُذكروا أو يمثلوا كيانا مستقلا..

٦- فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا: بالرغم من أننا لا نشك بعمالتها بحكم أنها من عظام رقبة عصابة الأسد والشريك الرئيس في قمع ثوار المخيمات الفلسطينية في دمشق، إلا إن ما آلم السوريين أشد الألم، هو توقيت زيارة رئيس وزراء السلطة الفلسطينية إسماعيل هنية لإيران الذي تزامن مع إرسال 15 ألف مجرم إيراني لذبح المدنيين، زيارة لم نستهجن مبدأها حيث تخلى عن حماس القريب والبعيد، إلا أننا كنا نتوقع حنكة سياسية أفضل من قادة حماس، وتوقيتا غير ذاك التوقيت المفعم بالسخرية والإهانة، فالتاريخ لا يرحم، والشعب السوري طلق التملق وحرمت عليه المداهنة على التأبيد.

٧- الفنانون والمثقفون: سوريون كانوا أم غير سوريين، أبطال مسرحيات ومسلسلات رسموا لنا أجمل اللوحات الوطنية وجسدوا أسمى الملاحم الثورية وعزفوا  أعذب ألحان الحرية وأقوى كلمات التحدي ورفض الذل والخنوع، نجدهم الآن أشد الناس دفاعا عن الظالم وأكثرهم استهزاء بالثوار الذين نقلوا تلك الملاحم الافتراضية لأرض الواقع مع فارق أن الدماء حقيقية والرصاص حي والمردود أنفس من أموال الدنيا والصيت في الملأ الأعلى، فهنيئا لكم أيها “الفنانون” بطولاتكم الوهمية ورسالتكم المنافقة، وطوبى لمن بذل الدماء والأعراض والأموال للذود عن شرف الوطن وإعلاء رايته التي لم نكن نراها إلا في المسلسلات والأفلام التجارية.

٨- الثورات العربية: إننا لننحني احتراما وإجلالا لكفاح الشعوب العربية المنتفضة في وجه طواغيتها، ونترحم على شهدائهم الأبطال الذين بذلوا أرواحهم لنيل حريتهم وكرامتهم، ولكننا في نفس الوقت نقول بئس الثورات تلك التي تقتلع الرموز الحاكمة وتبقي على جوهر الأنظمة، تلك الثورات التي اقتلعت القشرة وعجزت عن اللب، وإني لأتساءل، هل الطاغوت مبارك كان ليسمح للبارجتين الإيرانيتين بعبور قناة السويس؟ هل المنصف المرزوقي أنصف الشعب السوري من خلال مؤتمر صداقته؟ لسنا هنا لنقلل من عظمة الربيع العربي ولكننا ندعوا الشعوب العربية ألا تقف عند الإطاحة بعميل واحد، فالأنظمة العربية أفعى بألف رأس، واحد من هذه الرؤوس هو الحاكم.

٩- التجار: وأغلب متقاعسيهم يقطنون في دمشق وحلب، ونحن إذ لا نعمم على الكل، ولكننا نحمل الأكثرية مسؤولية دعم النظام ولو بشكل غبر مباشر، ونستغرب كيف لتجار دمشق القديمة أن ينتفضوا عن بكرة أبيهم ويهتفوا لكرامة المواطن السوري فقط لمجرد مسألة شخصية تخص ابنا لهم، ولا يكادون يلقون بالا لآلاف المكلومين والمقهورين من إخوان لهم على بعد كيلومترات عن سوقهم المكتظ، إخوان ذاقوا الويلات من النظام ذاته الذي هتف التجار ضده وثاروا عليه في شباط 2011

١٠- الشعوب والحكومات الإسلامية: ظهرت مظاهرات هنا وهناك، خرجت أصوات في كل بلد إسلامي تقريبا، تطالب بدعم الشعب السوري وبوقف المجازر، أقام الكثير منهم الندوات والتجمعات والمتاحف وقوفا مع الشعب الأعزل، أسفر عن 0% من المساعدات الحكومية الرسمية لإغاثة الشعب السوري، وعن 0% من الدعم العسكري والسياسي الرسمي للجيش الحر، وعن 0% في الوقوف في وجه إيران الصفوية ودعمها السافر للنظام البعثي الذي سخر من العالم الإسلامي كله واستهزأ بمقدساته ورموزه، ونال الدعم المطلق عسكريا وماليا ولوجستيا وسياسيا من خلال عبيد الخميني في إيران والعراق ولبنان وسوريا، كما أسفر عن نتائج ملموسة بملاحقة اللاجئين السوريين في لبنان وتسليمهم لشبيحة النظام، وتسفير سوريين في الإمارات والأردن، فيا أمة المليار ونصف المليار، لساننا يعجز عن وصف دعمكم للشعب السوري، قلوبنا امتلأت حبا لتضحياتكم، ولكننا نقول بملء أفواهنا، اللهم لا تحجنا إلا لوجهك الكريم يا واسع الرحمات.

February 7th, 2012

 الحائط السوري

في ذكرى مجزرة حماة، ونحن نمرر شريط الزمن الى الوراء، ثلاثين سنة تحديدا، نشاهد صور ما تبقى من مدينة أبي الفداء في سنة ٨٢، نشاهد الأفلام الوثائقية القليلة التي ألقت الضوء على هذه الكارثة الإنسانية الكبرى، فأسمع صراخ الثكالى، وأنين المعذبين والمشرفين على الموت، تحت أصوات الرصاص والمدفعيات والرشاشات التي تهدم البيوت والمواقع الأثرية وتفتك بالبشر وتمزقهم كل ممزق، أتخيل اقتحام جنود رفعت الأسد للبيوت لسرقتها وقتل أهلها وانتهاك حرماتهم دونما رحمة أو إنسانية أو اعتبار لتوسلات ونحيب النساء والأطفال، بل لعل مظاهر الألم تلك كانت هي الحافز على الاستمرار بهذه الجريمة التاريخية التي يعجز اللسان عن وصف وحشيتها.

أعود الى أرض الواقع فأجد مهندس هذه الجريمة مكرما مبجلا في أفخم المنتجعات في أوروبا وكأنه بطل قومي وأهل للثناء والاحترام، وحماة المكلومة قد سُميت ب”معقل الإرهابيين”، وقصة المجزرة قد اختُزلت في مسلحين متطرفين هددوا أمن البلاد فدخل جنود الأسد البواسل المدينة وخلصتها من شرورهم.

وحينما أقلِّب هذه الذكرى في نفسي وشعوري مزيج من الألم والحسرة والغضب، فإذا بي لا إراديا أذكر مأساة الحرب على غزة نهاية العام ٢٠٠٨ وكيف اقتحمت قوات العدو الإسرائيلي القطاع الأكثر كثافة سكانية نسبة للمساحة في العالم، واسمع صوت المدفعيات والقنابل تنهمر كالمطر لا تكاد تخطيء كبدا رطبا، واستحضر حجة قادة الحرب الصهاينة آنذاك بأنها حرب على حماس والإرهاب وأنهم لايستهدفون المدنيين! وكذا تناقلت وسائل الإعلام الغربية الحجة ذاتها، وقُتل من قُتل في غزة، وأُصيب من أُصيب ودُمر ما دُمر ولم يُحاسب من القتلة أحد، بل إن شمعون بيريز أُعطي جائزة نوبل للسلام وصفق له العالم ووقفوا تحية إجلال وإكبار لخدماته.

وقبل أن أجن من هذه الحقائق، وأصب جام غضبي على العالم العربي الأخرس الأطرش الأعمى، أقف مع نفسي للحظات، وأستحضر آلام الأمة كلها في العصر الحديث، فأذكر إخواننا في الشيشان الذين جاهدوا لوحدهم، ولم يُلق أحد لهم بالا بل دعم الكثير منهم روسيا الظالمة في حربها على الشماعة ذاتها، والإفك ذاته، والدجل والعهر والسفاهة والفبركة ذاتها، الإرهاب!

وفي كل لحظة أظن أن حنقي قد زال، أعود لأغرق في ذكريات مجازر إخواننا في كوسوفو والبوسنة (وحال حمص الآن لا يختلف البتة)، أتذكر المذابح والمقابر الجماعية، أتذكر آلاف الثكالى المغتصبات، أتذكر آلاف اللاجئين والمشردين، أتذكر الصلبان المرسومة بالسكاكين على أجساد المسلمين، والقساوسة الأرثوذوكس يختطفون الأطفال لشحنهم ثم تنصيرهم، والعالم يشاهد! بل يتحرك بكفاءة لنزع سلاح جيش تحرير كوسوفو الذي قويت شوكته! وفوق كل هذا وذاك، تسلط الأضواء على “الإرهاب” ووحشية المسلمين الذي هو في الأصل صنيع الغرب وملاذه الأخير لتحقيق أجندته!

أقوم من مجلسي وأتخيل نفسي في حوار مع من يصدق ترهات الإعلام، وأسأله، ألم تتحالف كتائب أمل الشيعية تحت إشراف المجرم نبيه بري مع الكتائب المسيحية بقيادة المجرم إيلي حبيقة ومع الجيش اليهودي الإسرائيلي بقيادة المجرم شارون ليُقدموا على أبشع المجازر بحق الآلاف من المسلمين الفلسطينيين واللبنانيين فيما عرف بمذبحة صبرا وشاتيلا؟؟ ألم يتحالف جيش حافظ الأسد العلوي مع الجيش الإسرائيلي (وليست تلك المرة الأولى) والميليشيات المارونية وقاموا بقصف همجي دموي فتك بإخوننا في شرق بيروت فيما عُرف بمجزرة تل الزعتر؟؟ ألم تكن نفس الشماعة؟ ملاحقة المسلحين الإرهابيين؟ وهل كان ضحيتها أصلا غير المدنيين العُزل؟ ألم يحصد جيش الصدر وكتائب المهدي أرواح المئات من مسلمي العراق؟ ألم تزل الميليشيات العراقية الصفوية ومرتزقة حزب الله والباسيج الإيراني تتلذذ بل تتقرب إلى الله والأئمة بذبح أبطال الحرية في سوريا؟ من يجرؤ على اتهام نبيه بري بالإرهاب؟ من يجرؤ على اتهام  نوري المالكي بالإرهاب؟ من يجرؤ على اتهام الشيعة والعلويين والنصارى واليهود والهندوس والعلمانيين بالإرهاب؟ ألم تكن تفجيرات الثمانينات في حماة، وتفجيرات محطات القطار في روسيا والاشتبكات مع مسلحين مسلمين في البلقان وتفجيرات المراقد في العراق من تمويل وتخطيط وهندسة الجهات التي استفادت منها أيما استفادة وغنمت منها أيما غنيمة يا أهل الفطنة والدهاء؟ إن أي مسلم يتفوه بهذه الحقائق سرعان ما يُنعت ب”الطائفي”، أليست من المسلّمات أن أي مسلم يشير ولو من بعيد إلى أهمية الوحدة الإسلامية والوقوف في وجه الأطماع الفارسية الصفوية والمكائد الصليبية النصرانية والأجندة الصهيونية اليهودية هو بنظر العالم طائفي متطرف!؟

في هذه اللحظات العاطفية المتقدة، أكابر عن نفسي وأستشعر ضحول تفكيري حين أذكر ماقاله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ( تتكالب عليكم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها ) وما دعاه ابن عطاء الله ( يا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك)  فلم يعد يعنيني هذا الأمر قط، وإني لأقولها علانية، إن كان وقوفي مع إخوتي وغيرتي على ديني وأهلي ورسولي صلى الله عليه وسلم طائفية، فأنا منذ هذه اللحظة أول الطائفيين، إن كانت أحلامي وطموحاتي في تحقيق أمة إسلامية آمنة سخية رخية تعيش في كنفها جميع الأطياف والأقليات بعدل وسلام هدفا طائفيا، فيا مرحبا بالطائفية، ويا لحظ من كان طائفيا مسلما، ويا لشرف من انتمى للطائفية الإسلامية من قريب أو بعيد.

إن طائفيتنا التي تبغضونها هي التي حفظت أمنكم لأكثر من ثلاثة عشر قرنا تحت راية التسامح بل الإيثار على النفس، والله ثم والله، لعيش النصراني واليهودي والعلوي بين المسلمين في هذه القرون خير وأعدل وآمن من عيشهم الآن، ووالله لن يهنأ لنا عيش حتى تعود الراية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد انتصار ثورة الحق والكرامة السورية، فمن لم يعجبه كلامي، فسوف أعاهده بأن تكون طائفيتي على قدر طائفيته، وشتان بين طائفيتي وطائفيته.

January 12th, 2012

الحائط السوري

إلى عبد الله فلذة كبدي، لعلك الآن تقرأ رسالتي هذه وأنت محاط بالأهل والأصحاب تنعمون بوطن حر ومزدهر، سوريا الحرة التي عهدتها منذ نعومة أظفارك كانت حتى عهد قريب في ظلام دامس، احتلت لما يقرب من نصف قرن على يدي عصابة لم تعد تراها الآن، وحتى لحظة كتابة هذه الرسالة وأنا شاب أعزب في صباح الثاني عشر من يناير 2012 وبذلك تكون ثورتنا السورية المباركة قد دخلت شهرها العاشر، وما زال صوت الرصاص والقذائف يسمع في كل مدينة، ومازال القتل والتنكيل والتعذيب يطول كل شريف وشريفة من أهل وطنك، وما زال العالم كما ستعهده أخرسا متواطئا بمن فيهم حكام دول العرب.

يا بني، مارآه والدك تقشعر له الأبدان ويشيب عليه الرأس، إنهم قوم عاشوا بين ظهرانينا مئات السنين في سلام، حتى اتخذوا دينا سموه البعث، وروجوا لأنفسهم باسم العروبة، وادعوا مقاومة العدو الصهيوني، ومالبثوا أن أهدوه الجولان، والقنيطرة نافلة، وما رحلوا إلا وقد هدموا المساجد وارتكبوا المجازر وسرقوا البلاد.

يا ولدي، لقد دفع أبوك وجيله ثمن صمت من سبقهم، ولقد أقسمنا أنكم لن تعيشوا تحت وطأة الإستعباد وقيود الإضطهاد مجددا، حتى لاحت في الأفق بشائر الإستقلال، من درعا، أطفال في عمرك خطوا أولى ملامح فجر الحرية على جدران مدارسهم “الشعب يريد إسقاط النظام” وإذا بشعاع الحرية يصل إلى ساحل بانياس، وإذا بحمص تمزق صور من نصبوه رأيسا علينا، وإذا بدوما وإدلب وحماة ودير الزور يلبون النداء، حتى لم يبق شبر من وطنك إلا ونفض عنه غبار الذل ولبس ثوب الحرية الجديد.

يا بني لم تكن ثورة سهلة، اعلم أن شعبك واجه العالم بأسره دون سلاح، عصابة البعث هي عصابة نصبتها الدول لحماية كيان الصهاينة ولتنفيذ أجندة مجوس إيران الشعوبية، عصابة البعث كان من شأنها تسخير سوريا لضرب العرب وتهديد أمن الشرق الأوسط برمته. لكن شعبك حطم أحلامهم وبدد أموالهم وداس على رقابهم. سميت ثورتنا ثورة الكرامة، وسميت ثورة الحرية، وأقوى أسمائها هو الثورة الفاضحة، فضحت المنافقين والعملاء وأخرحت خبثهم، عرفنا من هم شيوخ السلطة، عرفنا من هم الفنانون الذين تغنوا بالوطنية في مسرحياتهم وأدوارهم، عرفنا من ادعى المقاومة والممانعة لعقود، عرفنا من الصديق ومن العدو، عرفنا من هم أصحاب العمائم السوداء الذين تخفوا تحت شعارات حب آل البيت، عرفنا أن “حزب الله” كان “حزب الشيطان”، و”حسن نصر الله” كان “خبث خذلان إبليس”، و”جمهورية إيران الإسلامية” كانت “زريبة فارس الوثنية الصهيونية”.

كان لأبيك الكثير من الأصدقاء، وكنت أود أن أجمعهم بك، لكني نبذتهم يا صغيري، إنهم قوم أعمى الله بصيرتهم، فأيدوا عصابة البعث واتخذوها وليا، هم قوم صدقوا رويبضات إعلامها، قنوات لم تعد تراها الآن، إحداها اسمها الدنيا، واسمها هو سمتها وسمة من صدقها ومن عمل فيها ومن ملكها، قد لا تصدق يا بني أن كثيرا من شعبك أحب هذه المنظومة وآثرها على دماء إخوانك الطاهرة، قوم لبسوا لباس الذل والمهانة، وتطبعوا بخصال الوضاعة والنذالة، فلم تقم لهم عصابة البعث أية قيمة بل وقتلوا كثيرا منهم خطأ أو عمدا بعدما أوصلوهم على ظهورهم لمبتغاهم، ولا هم عاشوا بين أهل الثورة عيش الأسرة الواحدة، هم قوم أيدوا عصابة البعث ومجرميه، عصابة كان اسمهم الشبيحة، بهائم لا تحكمهم النواميس والرسالات السماوية، قوم تحكمهم الغرائز الحيوانية والأحقاد الطائفية، لن ترى الشبيحة أبدا، فبعد سقوط زعيمهم سقطوا معه وولوا الأدبار.

 أذكرك يا ولدي بتقوى الله، كان اسم جمعتنا الماضية إن تنصروا الله ينصركم، إياك إياك وحب الدنيا والرضى بها، إياك إياك والسكوت عن الحق، إن أكرمك الله وأحياك لترى سيدنا عيسى في دمشق المحررة، حذاري أن تثَّاقل إلى الأرض إذا دعيت إلى الجهاد ضد أتباع الدجال من صهاينة وفرس، فما انتصار ثورتنا إلا مقدمة لهذه الملحمة العظيمة، وما ثوار الشام إلا جنود الله الذين مهدوا الطريق لتحرير الأقصى وإعلاء كلمة الله وتطهير الأرض من الكفر والشرك، إنك إن تدبرت العبر من ثورتنا، فإنك لن تخون دماءنا ولن تكون يوما ظهيرا لأهل الكفر والضلال، هذا حال بلاد الشام يا ولدي، فهي الميزان والمؤشر على تقوى الأمة، انظر تاريخ بلاد الشام بعد توطن الإسلام بها، وستعجب من كثرة الغدر والعدوان، حروب قادها الصليبيون والمغول ومن مهد لهم الطريق من روافض، احتل الصليبيون القدس تسعين سنة، قتل المغول مئات الآلاف من أهل الشام، واجتاح الروافض بلاد الشام في عصور حكامهم وقتلوا الكثير من أهلها وفي مقدمتهم حمص المبتلاة، حتى عادت لأهل الإسلام والسنة الراية وأعادوا دين المصطفى لتلك البقاع .

في الختام، لعلك يا عبدالله تتساءل كيف أكتب عن انتصار الثورة في قلب الحصار والآلام والدموع والدماء، كيف لي أن أتحدث عن سوريا الحرة التي تعيش بها الآن وقد امتلأت السجون بالمعتقلين، والشوارع بالجثث، وحمص العدية محاصرة، وفيالق جيوش الصدر وحزب اللات تتوافد تترا في سوريا دونما انقطاع؟  ألم تعلم أن سيدنا ومعلمنا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم علمنا أن بشائر النصر تلوح في ذروة الإبتلاء؟ ألم تعلم أن الحبيب المصطفى بشر أصحابه رضوان الله عليهم بفتح الشام وفارس واليمن وهم قلة وقريش تسومهم سوء العذاب في مكة وتعد جيشا جرارا للقضاء عليهم في المدينة؟ ألم ترى إلى حديث البراء بن عازب حيث قال : ( لما كان حين أمرنا رسول الله بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول فقال : ” بسم الله ” فضرب ضربة فكسر ثلثها ، وقال : ” الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ” ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر ، فقال : ” الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ” ثم ضرب الثالثة وقال : ” بسم الله ” فقطع بقية الحجر ، فقال : ” الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة ” )  ، أليس حسبنا هذه الآية الكريمة يا ولدي:”( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب )  البقرة 214

January 6th, 2012

صباح الموسوي

هذا ما نشرته قبل أيام مجلة “شما” الناطقة باسم حزب “المؤتلفة” الإسلامي الإيراني الذي يترأسه “عسكر أولادي” أحد كبار الأثرياء في إيران ومن الرموز السياسية المدافعة عن اقتصاد “البازار التقليدي” ومن المقربين جدًّا للمرشد الإيراني علي خامنئي. فقد شنَّت المجلة المذكورة في التقرير الذي نشرته في عددها المرقم (731) هجومًا لاذعًا ضد الأصوات التي تدعوا إلى الحد من الإنجاب واعتبرتها مؤامرة صهيونية تستهدف إيران ومذهب التشيع على حد تعبيرها.

وأكدت “شما” محذرة أن “نمو السكان الشيعة في إيران قد انخفض من 8 / 1% إلى 6/ 1% فيما ارتفع نمو غير الشيعة إلى 7%, وهذا يعني أن الجمهورية “الإسلامية” الإيرانية سوف تشهد خلال الثلاثين أو العشرين سنة القادمة انقراضًا كاملاً للشيعة”.

مجلة “شما” التي تعد واحدة من أهم الأصوات الناطقة باسم التيار المتشدد في إيران لم تذكر العوامل والأسباب التي أدت إلى حصول هذا التغيير في اختلاف النسبة السكانية بين الشيعة وغير الشيعة، كما أنها لم تكشف عن الأدوات التي اعتمدتها في الوصول إلى هذا الاستنتاج الذي خرجت به إلى العلن والذي يخالف ما كان سائدًا من أن نسبة أعداد الشيعة في إيران أكثر من غيرهم مسلمون كانوا أو غير مسلمين.

فلو أخذنا تحذيرات سابقة لرجال دين وشخصيات شيعية إيرانية تحذر باستمرار من خطر تنامي نسبة الإيرانيين غير الشيعة، وهم أهل السنة تحديدًا، ومن بينها على سبيل المثال لا للحصر تصريحات كل من رجل الدين الإيراني المتطرف “مهدي دانشمند” ورجل الدين الإيراني المعروف بمجادلته الدائمة لأهل السنة الدكتور “سيد محمد قزوين”، والذين يؤكدون دائمًا في تحذيراتهم على ما يسمونه بخطر تزايد نسبة أهل السنة في إيران، ويعللون هذا التزايد إلى كثرة الإنجاب الحاصل بين أهل السنة، فلو أخذنا هذه التحذيرات وقارناها بالتحذير الذي نشرته مجلة “شما” نجد أن هناك هاجسًا حقيقيًّا ينتاب هؤلاء المحذرين من خطر انقراض الشيعة في إيران خلال العقدين أو الثلاثة عقود القادمة.
فإذا تجاوزنا عامل كثرة الإنجاب كأحد أسباب تزايد نسبة غير الشيعة – والمعني بهم أهل السنة – في المجتمع الإيراني، فإن العامل الآخر الذي تسبب في نقصان الشيعة هو تغيير الشيعة لدينهم أو مذهبهم، وهذا ما هو واضح للعيان، وهو ما لم تذكره المجلة، ويرفض سائر المحذرين من انقراض الشيعة ذكره. فالمتتبع للشأن الإيراني يرى بوضوح الأعداد الكبيرة من الإيرانيين الشيعة الذين أخذوا في السنوات الأخيرة بتغيير دينهم، فمنهم من تحول إلى الديانة البهائية ومنهم من اعتنق “المسيحية” ومنهم من عاد إلى الديانة الإيرانية القديمة “المجوسية”، وهذا ما تدل عليه الاحصائيات التي تقدمها المؤسسات التابعة لهذه الديانات والتي تؤكد على تزايد أعداد أتباعها في إيران، أما تزايد أعداد أهل السنة والذي يعد المعضل الرئيس الذي يثير مخاوف المرجعيات الشيعية فليس بسبب كثرة الإنجاب كما يزعم المتخوفون، بل إن حقيقة مخاوفهم تكمن في ترك ملايين من الشيعة – ومنهم عرب الأحواز تحديدًا – للعقيدة الشيعية والعودة إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهو مذهب الأكثرية في إيران قبل قيام الدولة الصفوية سنة (905هـ) التي ارتكبت العديد من المجازر بحق أهل السنة لفرض المذهب الشيعي المحرَّف في بلاد فارس.

إن ما كشفته وحذرت منه مجلة “شما” يطرح سيلاً من التساؤلات التي تدخل نظام الملالي في إحراجات كثيرة ليس أولها مسألة حكم الأغلبية على الأكثرية، فإذا كانت نسبة الشيعة في إيران أقل من نسبة غيرهم، فما هو المبرر إذن ليكون المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة؟ وما هو مبرر حكم الولي الفقيه الشيعي على غير الشيعة؟ ولماذا لا يصار إلى طرح الاستفتاء على الدستور والنظام في إيران؟

من الطبيعي أن هذه التساؤلات سوف تسحب البساط من تحت أقدام النظام الإيراني الذي يتدخل في شؤون دول؛ البحرين، العراق، لبنان، وأذربيجان وغيرها بحجة أن الشيعة يمثلون الأكثرية في هذه الدول وعلى أنظمة هذه الدول أن تسلم الحكم للأكثرية حسب زعمه.

إن السؤال الذي يتبادر لأذهان قراء هذا التحذير وغيره من التحذيرات الإيرانية الأخرى بشأن تناقص أعداد الشيعة واحتمالية انقراضهم في إيران يتعلق بالأسباب التي أدت إلى هذا التغيير في النسبة، وجعل الأغلبية تتحول إلى أقلية مهددة بالانقراض خلال فترة زمنية ليست بطويلة؟

إن السؤال الذي قفزت عليه مجلة “شما” ويرفض باقي المحذرون الإجابة عليه يكمن في نقطة رئيسة واحدة تتعلق بأسباب ترك الشيعة لعقيدتهم وجعلهم مهددون بخطر الانقراض؛ أهو فساد العقيدة أم فساد النظام الذي يستمد وجوده من صلب هذه العقيدة ويضع نفسه الممثل الشرعي والوحيد لها والحامي والمدافع عن اتباعها ليس في إيران وحسب بل وفي العالم أجمع أم أن الفساد في كليهما معًا؟

لا شك أن مجلة “شما” والقزويني ودانشمند وكل مراجع حوزة “قم” الدينية وقادة النظام الإيراني وكل من يعيش هاجس انقراض الشيعة في إيران – يدركون أن ما بني على باطل فهو باطل، وما كان لغير الله يذهب ويضمحل.

December 31st, 2011

الحائط السوري

الشكر الجزيل للخبير العسكري حسام السويلم على هذه اللمحة الموجزة عن الجيش المصري وتاريخه العريق، وعلى فضحه لأنجس من وطأ الثرى …. نترك لكم التعليق.

December 31st, 2011

 

الحائط السوري

 لطالما كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة ثورية في كل جانب من جوانب حياتها، نحن أمة ثورية في كل الميادين، فثورات الربيع العربي لم تكن حقيقة إلا امتدادا للثورة السلمية الإسلامية الأولى، ثورة المصطفى صلى الله عليه وسلم المتمثلة بهجرته عليه السلام مع صحابته رضوان الله عليهم للمدينة المنورة، الثورات العربية لم تكن يوما امتدادا للثورة الزائفة التي قادها الخميني في إيران كما يدعي زنادقة الفرس في هذه الآونة.

إني لأكاد أجزم، أن الإنسان لا يمكن أن يتفوق في شيء لايحبه، لقد قابلت أناسا أمضوا في جامعاتهم سنين كثيرة، والسبب أنهم لم يحبوا يوما الإختصاص الذي أجبرتهم درجاتهم على التخصص فيه، وبالمقابل وجدت من أبدع في دراسته التي يعشقها وتفوق على من التحق بالإختصاصات الحديثة المعقدة التي ظن بعض منتسبيها أنها درجة من درجات السلم الإجتماعي القائم على المظاهر والألقاب.

لم أجد ما يحقق لنا تفوقنا الديني والدنيوي غير محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، إن أمة الإسلام مطالبون برفع درجات المحبة لشخصه بأبي هو وأمي إلى الحد الذي يليق بمقامه ومنزلته، أي أعلى درجات الشوق والإحترام والطاعة، وهذا أقل ما يمكن فعله بغض النظر عن “توجهنا” كمسلمين، كما يجدر بنا ألا نقع فريسة لمن يحذرنا من المبالغة في حبه عليه الصلاة والسلام (حبه لا إطراءه) لأننا مهما سعينا للمبالغة في حبه، فلن نصل لمعشار حب الصحابة الكرام له، فمن نحن حتى ندعي تحقيق الحد الأدنى من محبته فضلا عن تجاوز ذلك؟

إن لم نسعى لزيادة حبه صلى الله عليه وسلم فحري بنا ألا نأمل بنزول معجزات النصر التي أكرم الله عز وجل بها أسيادنا الصحابة عندما لاقوا عدوهم وعدو الله. يا أهل سوريا خصوصا وأمة الإسلام عموما، حب المصطفى هو مفتاحنا ونبراسنا، بل يكاد يكون وسيلتنا الوحيدة للفوز بمعيّته في الآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح البخاري (المرء مع من أحب)، فليذهب أهل البدع مع خمينيِهم، فليذهب البعثيون مع حافظهم وبشارهم، نحن أمة الثورة، نحن مع أشرف خلق الله في أعلى الدرجات، ولا يفصلنا عن حبه صلى الله عليه وسلم إلا نفسنا الأمارة بالسوء التي إن روضناها لقرأنا سيرته ولنبدأ الإبحار في حب من كان أبو بكر ينسى شدة الظمأ لمجرد رؤيته يرتوي عليه أفضل الصلاة والتسليم.

لا يختلف عاقلان أن أمة الإسلام اليوم لا تبذل الحب الذي يليق بمقام خاتم النبيين، لذا يتعين علينا ان نتعرف على الأسباب الرئيسة التي هبطت بنا إلى هذا القدر من الجفاء. يبدو لي أن السياسة لعبت دورها هنا أيضا وحاكت لأمة الإسلام أبشع الإنقسامات، فقد غيرت السياسة أسلوب تفكيرنا ومنهج تحليلنا، لقد حولت ديننا (مذهب أهل السنة والجماعة) من أسلوب الحياة المطلق إلى ما يشبه “فكرا” اجتماعيا وسياسيا، كل من اعتنق هذا الفكر وجد نفسه مندرجا تحت “تيارات” وفروع أخرى: معتدل، محافظ، متطرف، أصولي, سلفي, صوفي…إلخ.

 إننا حينما ننظر إلى الإسلام كفِكر، لا كدين ارتضاه الخالق، فإننا نفقد جماله ورونقه وغايته، وبذا نفقد لذة حب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي هي شعلة الدين وبه الإلهام والباعث على الهمة في السراء والضراء، إننا حينما نعتنق الإسلام الفكر ونهجر الإسلام الدين فإننا نعتنق “نمطا” أحيل إلينا بحسب التيارات الإسلامية التي انتقيناها دون وعينا، ظنا منا أننا ننتهج المنهاج الأسلم لنقود به حياتنا. نحن الآن نشهد ظهور فريقين “خصمين” يمثلان أكبر الشرائح الفكرية التي أرغمنا الساسة والحكام على اعتبارهما تيارين متضادين متناحرين، ينقض أحدهما الآخر، بالرغم أنهما يتبعان نفس “الحزب”، ألا وهما التيار “المتعصب والجافي” والمتمثل بالسلفية، والتيار “المتسامح/المتساهل” والمتمثل بالصوفية. يجدر أن ننوه بأن ثمة تيارات إسلامية اخرى عديدة تختلف باختلاف درجة القرب والبعد من القطبين الآنف ذكرهما.

إن بلاهة هذه التقسيمات تتحدث عن نفسها، حيث يسعى أهل السياسة لتقسيم الإسلام إلى هذه التيارات، لأنها الطريقة المثلى لضم الشعوب تحت إمرتهم، لسان حال القادة يقول” اتبعوني والتحقوا بمذهبي فبه فلاحكم وسعادتكم وإياكم وباقي التيارات، فهي ضالة مضلة توريكم دار البوار”. لقد قسَّمنا الإسلام – دون أن ندري – إلى معسكرات إقليمية، معسكر سلفي في شبه الجزيرة وأفغانستان وأجزاء من مصر، ومعسكر صوفي في بلاد الشام وشمال أفريقيا وأجزاء من اليمن. نجح القادة والسياسيون في صرف نظرنا عن الحقيقة الساطعة، هو أن من عظمة الإسلام أنه يتسع لكل هذة الاختلافات ، تحت مظلة واحدة دون المساس بجوهره، فهذه التيارات كانت موجودة في التاريخ الإسلامي بشكل واضح ولكن على مستوى العلماء، لا العامة، فالإمام ابن تيمية والذي تظهر رسائله السلفية جلية في كتبه لم يقر كثيرا مما اعتقد به أو مارسه الإمام ابن عطاء الله السكندري صاحب كتاب التصوف المشهور حكم عطائية، بل ناظره ليثبت له صحة ما ارتآه، ولكن أيا من هذه الإختلافات لم تؤثر على أي من أتباعهما وتبادل مريدوا هذين الشيخين علمهما دون تصادم أو تعصب يذكر.

لعل أكبر جريمة قام بها حكامنا المعاصرون هو نقل اختلافات العلماء ونشرها بين العامة، هناك ثلة من الشباب والمراهقين على أتم استعداد لمناظرتك حول مواضيع عقائدية حساسة، مع أنهم لم يتعلموا حتى صفة الحج، هناك من الشباب من وصل بهم سوء فهم اختلاف العلماء بأن صار يتوخى الحذر بعدم الإكثار من الصلاة على النبي خشية الوقوع في “الغلو”ّ! كما أن هناك من الشباب من يشطح في مدحه للنبي وبشكل واضح واصفا إياه بما لاتحتمله نفسه البشرية صلى الله عيه وسلم.

بيت القصيد، دين الإسلام دين وسط متزن، الديانة المسيحية ركزت على الروحانيات وهمشت الفرائض، بينما ركزت اليهودية على الفرائض وهمشت الروحانيات، ولكن الإسلام بقي متزنا جامعا للعنصرين بشكل جميل، ولذا، ومن أجل أن نتبع ديننا كما ينبغي، فإن علينا تحقيق قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) إذن نحن الآن بصدد مواجهة تيارين سياسيين إسلاميين، التيار السلفي (المذعن للفرائض) والتيار الصوفي ( المذعن للروحانيات)، هذه المقالة مخصصة لتناول هذين التيارين المُسيَّسيْن الذين جعلا أتباعهما أقرب لأعضاء في حزب منهم إلى مسلمين ربانيين.

إن مصطلح السلفية حقيقة لا يمت بصلة للتطرف الديني، لطالما دأب نظام الأسد الصفوي على النباح مرددا مصطلح السلفية كشماعة أمنية لينفذ أجندته وإجرامه، وإن أحدا من أبواق النظام لا يعلم بالضرورة المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وكذا مؤيدوا هذا النظام مع الأسف الشديد، لا يبدو لي على كل حال أن هذا الصنف من الناس على درجة من البصيرة والثقافة ليفقهوا هذا المصطلح، والذي هو في أصله يعني مدرسة السلف (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة المفضلة فمن بعدهم) في فهم نصوص، والإيمان فيما ورد عن صفات الله عز وجل وأسمائه الحسنى التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بجلال الله من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل… هذا هو الفرق الجوهري بين السلفي ومن خالفهم وإن كان يتبع ذلك اختلافات في جوانب أخرى.

السلفية شأن أكاديمي علمي راق، ليست حديثا يتناوله الجهال والرويبضات، ليست موضوع الساعة التي يتحذلق في ذكرها حثالة القوم من إعلاميين وسياسيين صهاينة وصفويين، السلفية لا علاقة لها بالوهابية (وإن تبنت منهجها) ولا بالإرهاب ولا بالقاعدة ولا ما اختلقته الآلة الإعلامية الأسدية الفاجرة من جماعات متشددة وجند الشام وعصابات أبي النظير الذي لا يصدقها إلا صغير الشأن وضعيف التربية أعمى البصيرة.

السلفيون هم أئمة الشام وأسمى أعلامها، ابن تيمية وابن القيم وابن كثير والنووي والمزي والذهبي وابن قدامة المقدسي والضياء المقدسي والإمام الأوزاعي وجمال الدين القاسمي وعبد القادر الأرناؤوط ومحمد بهجة البيطار وغيرهم وغيرهم! إنه ببساطة منهج ثلة من أعظم علماء التاريخ الإسلامي، ولعل هذا سبب كاف لتشويه صورة السلفية من قبل الأنظمة الصفوية وعلى رأسها النظام الأسدي المحتضر.

إن تأصيل المنهج السلفي والتبحر في تفاصيله ليس من اختصاصنا نحن العوام، فلا يحق لنا أن نخوض قي العقيدة السلفية والبحث في اختلافاتها مع ما يقابلها من مناهج عقائدية أخرى، فهذا ليس المكان ولا الزمان المناسبين، إن هذا شأن أهل العلم على كل حال، ولكن لمن أراد أن يعرف الخطوط العريضة لهذه المدرسة فعليه أن يعود لأهل العلم، لا أن يتصفح الشبكة والمنتديات التي لا تقل تخبطا عن كثير ممن يدعون العلم، فضلا عن أن يتسمعوا لبوق أسدي أخرق أقل ما يقال عنه أنه عميل صفوي، فنحن أمة العلم، أمة التحري، أمة إقرأ، أمة يا الله، لسنا أمة الجهل والبدع والسفاهة، لسنا أمة يا علي، لم نكن لنُحتل من عصابة الأسد لو فقهنا، يجدر بنا أن نكون على بصيرة الآن.

أما الصوفية، فموضوعها أسهل من سابقتها، إن كنت ممن يقفون ضدها فذلك بسبب أنك انضممت إلى المعسكر السلفي المسيَّس في أرضهم، أما إن كنت تعيش بين ظهراني معسكر الصوفية المسيس ولا زلت ترى في الصوفية بعدا عن الدين، فاسمح لي أن ألقي الضوء عن بعض النقاط التي نجهل كثيرا منها لسبب أو لآخر.

لم يُلقن صحابة رسول الله الكرام قواعد تأصيلية ومصطلحات علمية، بلَّغ سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة كاملة وعقلها صحابته الكرام ونقلوها كاملة، إنما التأصيل العلمي أداة لطلاب العلم لحفظ ونشر أصول وفروع هذا الدين العظيم بين العوام، فمصطلحات الحديث والفقه والتجويد على سبيل المثال هي مصطلحات أتت بعد عهد الصحابة لحفظ وتلقين تركة المصطفى صلى الله عليه وسلم للناس كافة، ومصطلح الصوفية أو التصوف هو أحد فروع العلوم الشرعية المتفرعة من هذه التركة العظيمة، اختُلف في أصل الكلمة ولكن مما لاشك فيه أنها مترادفة لمصطلحات عدة منها التزكية والزهد وصفاء النفس والإحسان، الصوفية باختصار شديد، مجموعة الطرائق والأدوات المأصلة من الكتاب والسنة والمتبعة لتهذيب النفس وترويضها بهدف الوصول لمقام الإحسان أعلى درجات اليقين والعبودية, انتهى.

إنه العلم الذي أتقنه الناصر صلاح الدين ونور الدين زنكي (الذي لقنه لأطفال قاسيون في دمشق والذين غدَوا جيش الشام الذي هزم الصليبيين آن ذاك) إنه المنهج العملي المعني بتحليل خواطر النفس واتباع الطرائق المثلى لتجنب الوقوع في آفات القلوب كالحسد والغيرة والحقد، ولترويض النفس الأمارة من شهوات البطن والفرج، ولغرس الهمة وصد الكسل والخمول. لا علاقة بالرقص والمولويات بالصوفية، لا علاقة بالتبرك بالقبور والصالحين بالصوفية، لا علاقة بالأشعار الشاطحة والمقولات المبهمة إلا بمن ينسبون لأنفسهم التصوف، فالتصوف بريء منهم براءة الذئب من دم سيدنا يوسف عليه السلام.

الصوفية، وكما هو حال بافي العلوم الشرعية، علم دقيق يؤخذ مشافهة من العلماء الربانيين، يؤخذ مع باقي علوم العقيدة والفقه المأصلين، وهذا ما قاله علماء التصوف الثقات أنفسهم، فمن تفقه ثم تصوف أفلح، ومن تصوف ثم تفقه خاب وخسر، وكذا في العقيدة، فمن درس العقيدة ثم درس قواعد اللغة فقد ظلم، يبقى الموضوع هنا هو شطحات وغلو الكثير ممن نسبوا التصوف لأنفسهم، وهو الموضوع الذي يتفنن أنصار المعسكر السلفي المسيَّس بتضخيمه وتجاهل ماللصوفية من روائع، (المتصوفة أيضا لهم تاريخ في تضخيم عثرات كثير من السلفيين)، إذن نصل لنتيجة مفادها، أن كثيرا ممن التحقوا بمعسكر التصوف أساؤوا للصوفية بالقدر الذي اساؤوا فيه لأنفسهم، بل إن الصوفية بمعناها الشائع المعاصر لا يتعدى حفلات الدف والرقص وقصص الكرامات والتبرك بالأولياء بل حتى انحراف في العقيدة عند بعض المتصوفة في بعض الدول الإسلامية، ونحن هنا من منبرنا هذا نقول، إن الصوفية الأصلية لا تمت بهذه الظواهر بصلة، إنما الصوفية هي الإسلام برونقه، فما وجدناه مخالفا للكتاب الكريم والسنة المطهرة فهو بدعة وضلال، وما كان موافقا لهما فهو الصوفية، وإن ادعى مدعٍ أن الإسلام بصورته السلفية الصرفة يستوعب منهاج التصوف ويهيمن عليه، فالرد أن التصوف هو في أصله تحقيق الإسلام مع فنونه، فإن قيل أن الإسلام فيه الزهد، فالصوفية تعرض فنون الزهد، وإن قيل أن في الإسلام التزكية، فالصوفية تعرض فنون التزكية…إلخ.

والرسالة الهامة التي أود أن أطرحها هنا، أن السلفية ليست نقيض الصوفية أو العكس، يمكن للسلفي أن يتصوف ويمكن للصوفي أن يتبع منهاج السلف، لطالما دأب السياسيون على زرع فكرة أن معسكراتهم لا تختلط ولا تلتقي مع بعضها في أي جانب، ولو جعلونا نتقارب لقُضَّ مضجعهم، فهم يفرقون ولا يوحدون، لقد كرسوا صورة مشوهة علقت في لا وعينا تعرض السلفيين على أنهم متعصبون يحرِّمون كل شيء ومتطرفون بمسألة الوحدانية، والمتصوفة مبتدعة وفسقة وبعضهم مشركون، لقد آن الأوان لأمة الثورة أن تتحرر من هذا التوجيه، لقد آن لأمة الثورة أن تغسل غسيل الأدمغة المسلطة عليها منذ عقود، يجدر بكل مسلم أن يكون سلفيا في منهاجه وعقيدته، متصوفا في سلوكه ونفسه، هذا هو  نموذج المسلم الذي ساد لأربعة عشر قرنا في كل بقعة من بقاع بلاد المسلمين تحت مظلة كل الخلفاء. أعتقد أن خير مثال يحتذى به هو الإمام ابن قيم الجوزية والشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله ونفعنا بهما، كلاهما كان سلفي العقيدة، ومتصوف في الوقت نفسه، لم يمنعهما منهاجهما السلفي السليم من الإمتثال لفنون الزهد وتزكية النفس وتصفية القلوب، وهذا ظاهر جلي في كتبهما رحمهما الله تعالى، وهما خير دليل على أن هذين الإتجاهين يشعان من مشكاة واحدة، فهما مكملان لبعضهما وليسا متنافرين أو متعارضين.

أعتقد أن تعصبنا لتياراتنا الإسلامية المختلقة وقفت حائلا بيننا وبين التعمق في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مما جعلنا نحيد عن حبه كما ينبغي، حري بنا الآن ان نزيل هذه العقبات، جفاء سلفي مسيَّس، وحب مصطنع صوفي مسيَّس، هذه هي العقبات و هذا هو ما يريده حكامنا، فانظروا ماذا ترون يا أهل الثورة، يا أتباع محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم.

December 26th, 2011

د . موفق السباعي

إن النفس البشرية دائما تحب الراحة ، وتحب الأمن والسلام ، وتنفر من الجهد والتعب والعناء ، وتكره الحرب والإقتتال وسفك الدماء ، وهذا ما عبر عنه خالق النفس البشرية ، والعليم بكينونتها ، ومداخلها ومساربها ، والبصير بمشاعرها وهواجسها وأحاسيسها ، إذ قال في محكم كتابه : كُتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
والنفس البشرية تضيق ذرعا بالمعاناة ، والألم واللأواء والعذاب ، وتضجر من تحمل سياط الجلادين ، وتستعجل النصر على الطغاة والمستبدين ، حتى ترتاح وتشعر بالأمان والإطمئنان ، في جو يسوده السلام والإستقرار ، والدعة والرخاء ، إلا أن سنة الله قضت وتقتضي ، أن يكون ثمة اختبار لهذه النفس البشرية ، فالحياة الدنيا ليست دار سلام وراحة ، ونعيم مقيم ، إنها دار ابتلاء واختبار ، وتمحيص وفرز ومعرفة الطيب من الخبيث ، وهذا ما عبر عنه الله تعالى في محكم تنزيله : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب .
وهنا أحب أن أستشهد بكلمات شهيد الإسلام … شهيد العروبة ….شهيد الحرية … شهيد الكلمة ..سيد قطب رحمه الله في تعليقه على تلك الآية الكريمة ، فكلماته لا يمكن أن يصوغ مثلها أي إنسان ، إنها البلسم الشافي ، والعقار المداوي :
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة . . عندئذ تتم كلمة الله , ويجيء النصر من الله:
(ألا إن نصر الله قريب). .
إنه مدخر لمن يستحقونه . ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية . الذين يثبتون على البأساء والضراء . الذين يصمدون للزلزلة . الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة . الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله , وعندما يشاء الله . وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها , فهم يتطلعون فحسب إلى (نصر الله), لا إلى أي حل آخر , ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله . ولا نصر إلا من عند الله .
بهذا يدخل المؤمنون الجنة , مستحقين لها , جديرين بها , بعد الجهاد والامتحان , والصبر والثبات , والتجرد لله وحده , والشعور به وحده , وإغفال كل ما سواه وكل من سواه .
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة , ويرفعها على ذواتها , ويطهرها في بوتقة الألم , فيصفو عنصرها ويضيء , ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية , فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها . وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجا كما وقع , وكما يقع في كل قضية حق , يلقي أصحابها ما يلقون في أول الطريق , حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين . .
على أنه – حتى إذا لم يقع هذا – يقع ما هو أعظم منه في حقيقته . يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى
الأرض وشرورها وفتنتها , وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة , والحرص على الحياة نفسها في النهاية . . وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها , وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء . كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون , والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته .
وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف . . وهذا هو الطريق . .
ولكن بالرغم من حب النفس البشرية للراحة وتجنب البأساء والضراء ، إلا أن أهل سورية الشجعان الأشراف الأحرار ، تغلبوا على هذه الغريزة الفطرية الطبيعية ، وتعالوا وتساموا ، وطمحوا إلى نيل الحرية والعزة والكرامة ، ولو تعرضوا إلى الأذى والضر والتعب ، غير أنهم بالرغم مما قدموا من تضحيات هائلة وكبيرة ، وعلى مدى تسعة أشهر تقريبا ، لم يحرزوا النصر المطلوب
لماذا؟؟؟
1- لأن الشعب يواجه أعتى وأشد ، وأخبث وأفظع ، نظام طاغوتي حاقد ، عرفته البشرية في القرن الأخير .
2- لأن النظام الأسدي يرفع رايات القومية والعروبة ، والمقاومة والممانعة ، ومحاربة أمريكا واسرائيل ، وتجد هذه الشعارات المزيفة طريقها إلى عقول فئة من المخلوقات البدائية التفكير والساذجة والبسيطة ، فتنخدع بها بسهولة وتصدقها .
3- لأن استفاقة واستيقاظ الفئات المخدوعة والمُضَلَلة ، بشعارات محببة للنفس العربية ، تحتاج إلى وقت طويل ، وتحتاج إلى مناظر ومشاهدات لجرائم وقتل وسفك دماء صادمة وعنيفة ومزلزلة للنفس البشرية ، حتى تصحو وتكتشف كذب هذه الشعارات والرايات.
4- لأن الله تعالى يريد أن يزداد تعلق عباده به وطلب النصر منه وحده ، وتثبيت اليقين في النفوس أن النصر منه وحده ، وهذا ما بدأ يردده أهل سورية الأحرار حينما يئسوا من الناس ، فأخذوا ينادون بأعلى أصواتهم : مالنا غيرك يا الله ، وهذا بداية طريق النصر .
5- أن الله يريد أن تتثبت القلوب ، ويزداد يقينها وقناعتها بما يضمره لها أعداؤها – سواء كانوا في داخل سورية أو خارجها – من شر وكيد وحقد وعداء ، حتى ينفضح أمرهم ، وتنكشف عوراتهم وحقيقتهم ، وهذا من محبة الله بأهل سورية.
6- وبالتالي كلما زاد نزف الدم ، وزاد القتل وزاد إجرام المجرمين ، كلما امتلأت النفوس أكثر وأكثر بالرغبة الجامحة العارمة للثأر والإنتقام ، وتطبيق القصاص فيهم ، انقيادا لأمر الله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ، وقوله تعالى أيضا : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم ، وهذا فيه تطهير للبلد من المجرمين ، والتخلص منهم وإراحة البلاد والعباد من شرورهم ، ودون النظر إلى ما يقال أنه بحجة التسامح والعفو والصفح المزيف الذي يراد به أن يبقى المجرمون يرتعون ويلعبون ويعيثوا في الأرض فسادا وخرابا ودمارا بحجة أشنع وأقبح وهي التعالي والتسامي عن الإنتقام وعدم معاملة المجرم بمثل ما أجرم .
فهذا المخلوق الذي يفكر بهذا التفكير هو مجرم أكثر من المجرم الحقيقي ، لأنه لا يعفو عن المجرم إلا مجرم ، يخاف عليه ويعطف عليه والله الرحمن الرحيم الرؤوف بعباده أكثر من الأم بوليدها يقول : ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام . وقوله أيضا : فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ، إن الله عزيز ذو انتقام .
7- حتى يقتنع القاعدون والصامتون بوجوب الإنحياز إلى الثوار الأحرار ، وحتى يتيقن المتخلفون عن الركب ، أنه لا مفر اليوم ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم ، وأنه لا بد من المشاركة في هذه الثورة ، التي فيها العزة والكرامة والحرية للجميع ، وهذا من محبة الله في هذه الفئة الطيبة يريدها أن تتحرك وتحظى بالأجر ، لأنه يعلم أنها متضايقة ومنزعجة من نظام بشار ، ويتفطر قلوبها على المذابح التي تراه بأم أعينها يوميا ، إلا أنها خائفة .
8- يريد رب العالمين أن يتخذ منكم شهداء ، ليس فقط لتدخلوا الجنة ، ولكن لتشهدوا على ظلم وإجرام عائلة الأسد ومن شايعها ، ليحق عليهم قول الله بالعذاب المهين الأبدي السرمدي في قعر جهنم .
9- يريد رب العالمين أن يزداد كره الناس وبغضهم لعائلة الأسد ، وأن يعملوا بجد وصدق وإخلاص للتخلص منها ومن شرورها وطغيانها وهمجيتها ووحشيتها ، وأن يتيقن العالم كله بعدالة ومشروعية مطالبكم ، وبأنكم على الحق المبين .
10- حتى تزداد شهرتكم أكثر عند العالم أجمع ، وحتى يحفظ الناس كلهم أسماء قراكم ومدنكم الشاهدة على إجرام عصابات الأسد ، ليتشوقوا لزيارتها ومشاهدتها بعد سقوط بشار ، وتزداد عظمتكم وتهابكم شعوب الأرض أجمع ، وتشهد على أنكم شعب عظيم شجاع حر يأبى الضيم والذل والهوان ، ويفضل الموت على المذلة ، وتضرب بكم المثل الأعلى ، وتحذو حذوكم شعوب الأرض المظلومة المقموعة ، المضطهدة المهانة فتنتفض على طغاتها وجلاديها .
11- يريد رب العالمين أن تكونوا أنتم الأسوة الحسنة والسراج المنير ، في درب الحرية والتحرر من الإستعباد والطغيان ، تضيئون الطريق لشعوب الأرض قاطبة ، كي تسير خلفكم تهتدي بهداكم ، وتقتفي أثركم وتقتبس من نوركم الوضاء .
12- يريد رب العالمين أن تكونوا أنتم الرمز الأعلى الحقيقي للحرية يتوهج في سماء الدنيا كلها ، ويستضئ به الخلق كلهم – وليس كتمثال الحرية المزيف المنتصب على بوابة أمريكا التي لا تعرف من الحرية إلا حجرها وصنمها –
13- رب العالمين يريد أن يكرمكم ويعلي مقامكم في الدنيا والآخرة ، ويريد أن يزكيكم ويطهركم من الذنوب والخطايا ، ويطهر أرضكم المباركة من الرجس والدنس ، ومن العبيد الصعاليك المهازيل ، فأرضكم أرض المحشر والمنشر ، وأطهر أرض بعد مكة والمدينة .
14- فهل بعد هذه المحبة الإلهية محبة ، وهل بعد هذا الإكرام الرباني إكرام ، فهنيئا لكم وطوبى لكم بأجنحة ملائكة الرحمن ترفرف فوق أرضكم .
15- وإنا والله لمنتصرون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

December 1st, 2011

مجاهد مأمون ديرانية

منذ أيام والأخبار تتوارد عن مجرمي العصابات الطائفية الذين دخلوا من لبنان والعراق إلى سوريا للدفاع عن نظامها المتساقط، أو بعبارة أخرى: لقتالنا وقتلنا نحن أبناء البلاد.

ماذا جئتم تصنعون في بلادنا يا أيها الغزاة؟

لعلكم سمعتم أن ثورتنا سلمية فأمِنْتم وقلتم لأنفسكم: إنْ هي إلا نزهة نروح إليها ونغدو على أهون سبيل، فاسمعوها إذن اليوم شِفاهاً وسوف ترونها في الغد عِياناً إن شاء الله: إنْ كنتم دخلتم بلادَنا ماشين على الأرجل فلا والله لا تخرجون إلا محمولين على الأعناق. لقد أحسنتم المدخل فأحسنوا -إن استطعتم- المخرج، ولن تستطيعوا، فإنّا أقسمنا أن بلادنا لا يدخلها مجرمٌ منكم مرةً إلا ويغادرها مرتين، مرة تغادر روحُه إلى زبانية الجحيم، ومرة يعود إلى أهله الجسدُ اللئيم.

لا والله ما علمتم بعدُ ما نحن يا أيها الغُزاة. أظننتم -ويحكم- أنّا نهاب حرباً أو نخشى الموت؟ فإنّا بنو الحرب وأهلها، قد رأى الزمان منا الأعاجيب ودوّنت صحائفُ التاريخ بطولاتنا على مَرّ التاريخ، وإنّا قد آلينا أن نريكم اليومَ ماذا يصنع أهلُ الشام إنْ ضِيمَ أهلُ الشام.

لقد أَرَينا حليفكم قوةَ قلوبنا حتى يئس أن يَهزم قوّةَ قلوبنا بقوة سلاحه، وعجزت دوننا كتائبُه المجرمة وعصاباته فذهب يلملم حثالات العصابات من جيران وخلاّن له من شرق ومن غرب، فانتظروا حتى نريكم ماذا تصنع قوة قلوبنا إذا جمعنا إليها قوة السلاح، وانظروا عندها كم تصبرون أمامنا يا أيها الغزاة الجبناء.

يا جيش سوريا الوطني الحر: دونك الغزاة فلا توفر منهم أحداً، وافتح الباب للأسود من ثوار الشام فإنهم يتربصون وراء الباب ينتظرون إشارة النفير؛ ادعُ إلى التطوّع من يسعك استيعابه منهم في كتائب المتطوعين، وأطلقهم على الغزاة يُروك ويُروهم ماذا تصنع الأسود إذا أُطلقت على الضباع الأسود.

ويا حافّين بسوريا عن يمين وشمال: إن شئتم أن ترسلوا إلينا ألفاً من الغُزاة فأرسلوا ألفاً، أو أرسلوا إن شئتم مئة ألف، على أن تسلّمونا بعددٍ لنسلّمكم بعدد، نستلمهم راكبين أو راجلين ونردّهم محمولين وحاملين… ولا تنسوا أن ترسلوا مع كل واحد من المجرمين نعشاً، فإن علينا القتل ليس علينا التغليف في النعوش.

مدونة الزلزال السوري | إنها مصارعكم أيها الغزاة

November 18th, 2011

الحائط السوري

ألهمني مقالان جديران بالقراءة، أحدهما لعزمي بشارة على موقع الجزيرة بعنوان (أفكار حول الثورة السورية تحديدا) تكلم فيه بشارة عن حتمية تغيير الشعب السوري للنظام البعثي نظرا لطبيعة هذا النظام الجامد والمخالف لكل التطلعات والطموحات الوطنية السورية بكافة أطيافها، والمقال الثاني كان للشيخ الداعية السوري أحمد معاذ الخطيب بعنوان “ثقافة النحر وفلسفة الانتحار” ذكر فيه عقم الواحدية (كالحزب القائد للدولة مثلا) وعزا التكاثر والنمو للتعددية التي يساندها الإسلام الحنيف.

المقالان السابقان يوضحان العنصران الفاعلان لاستمرارية وتقدم أي منظومة في التاريخ البشري، العنصر الأول هوالتعددية والثاني هوالتجديد (التغيير)، فالأول يضمن الإستمرارية، والثاني يضمن التطور والتقدم والذي بدوره يعزز من الاستمرارية بطريقة أو بأخرى.

إن وعينا لأهمية هذين العنصرين يفرض علينا التسليم بانهيار الأنظمة المستبدة وقرب بزوغ فجر أنظمة أكثر تمثيلا لطموح الشعوب والذي يفرض منطق التعددية والتغيير سير الشعوب نحو هذه الأنظمة بعز عزيز أو ذل ذليل، والتاريخ الإنساني حافل بحوادث انهيارات لأنظمة وحكام فرضوا شعاراتهم المتصلبة وأحزابهم الجامدة حتى عادت الفئات التي وصفت بالشرذمة القليلة وأقصت الطواغيت الواحدية الذين ساموهم سوء العذاب لعقود مظلمة.

وإذا كنا قد عقلنا ما ذُكِر آنفا فلا بد لنا أن نصف الأنظمة المستبدة بالغبية، وليس هذا من قبيل السخرية أو التنابز بالألقاب، ولكن من قبيل وصف الشيء بما هو عينه أصلا، فالنظام البعثي في سوريا مثلا غبي بطبيعته، ليس لأن القائمين عليه أغبياء – وإن خالفني الكثير – ولكن لأن تركيبته وآلية سير عمله تفتقر لأدنى أسس الاستمرارية والتقدم، فمبادؤه متناقضة مع توجهات شعوبها، متناقضة في ذاتها، قائمة على الترهيب والتهديد والتعتيم الإعلامي والثقافي والفكري، ولأنه لو كانت غير ذلك لما فُرِضت فرضا، ولشكلت الشعوب خطرا محدقا على الدول الغربية التي وظفت أنظمتهم ابتداءً، وكذا الحال بباقي الأحزاب السياسية التي تشبث رؤساؤها بالحكم لسنين طويلة، ومما لا يختلف اثنان ذا بصيرة عليه، أن الصهيونية العالمية كانت ولا زالت وراء أغلب الأنظمة المستبدة والأفكار والعقائد الهدامة، فلم تكن صدفة كون كارل ماركس من أصول يهودية وهو الذي ابتدع الشيوعية والإشتراكية العلمية التي حولت شعوب الإتحاد السوفييتي إلى عبيد وخلقت بعبعا إقتصاديا لدول غرب أوروبا والولايات المتحدة لفرض ولاء شعوبهم لأنظمتهم الحاكمة ومؤسساتهم الحزبية، وكان أولى نتائج الماركسية على الساحة السياسية الثورة البلشفية التي قادها خليفة ماركس فلاديمير لينين ذو الأصول اليهودية أيضا، أعقبه المجرم جوزيف ستالين (جوزف دافيد جوغاشفيلي) والذي يؤكد بعض المحققين الغربيين أنه الابن البيولوجي لموريس إيفروسي القائم بأعمال عائلة الروثشايلد اليهودية في القوقاز، ولم تكن صدفة كون هتلر أيضا ذا أصول يهودية أيضا كما نشرت صحيفة التلغراف البريطانية في الرابع والعشرين من أغسطس عام  2010  عن فحص الحمض النووي الذي رجحت نتائجه أن يكون هتلر من جذور عبرية وإفريقية، ناهيك عما ذكره الموقع الإلكتروني للمكتبة اليهودية الإفتراضية عن احتمالية كون جدته قد حملت بأبيه في القصر اليهودي الذي كانت تخدم فيه، ولست بحاجة لشرح الفوائد الجمة والمغانم العظيمة التي نالتها إسرائيل بعد سقوط النازية بدءً بالتعويضات الباهظة التي تدفعها ألمانيا لإسرائيل إلى اليوم، مرورا بترسيخ مبدأ معاداة السامية التي بسببه تُحرم فكرة انتقاد اليهود، وانتهاءً بتأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين تحت ذريعة الإضطهاد والتشرد والظلم.

إذن ما تقوم به الصهيونية العالمية هو بناء أوطان مهدمة مقدما، لقد شهد القرن العشرون ولادة حكومات محتضرة منذ البداية، لم تلبث حتى أقر الله أعيننا بمشاهدة سقوط كثير منها خلال وبعد القرن المنصرم، والمسألة بلا شك مسألة وقت لمن تبقى، فطوفان الخيرية في الشعوب – مهما كانت عقائدها – سيكون سيد الموقف شاء من شاء و أبى من أبى.

يبقى السؤال هو، هل الأنظمة الشمولية هي تلك الأنظمة ذات التوجه الإشتراكي كما في كوبا مثلا؟ أو تلك الأنظمة الرأسمالية التي قادت حكما عسكريا انقلابيا كحكم بينوشيه لتشيلي؟

من البديهي إدراك أن الأنظمة الشمولية هي تلك التي نرى شعوبها على شاشات الإعلام يعانون من انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، تمارس ضدهم ألوان الإضطهادات والحرمانات تحت مظلة حزب واحد وشعار واحد لا يقبل الجدال ولا الخصوم، وهذا منطقي، ولكننا وقعنا حقيقة – من وجهة نظرنا – تحت تأثير نظام عالمي أكبر من إدراكنا الحقيقي، وحكم شمولي استبدادي أغفلنا عن الفهم الصحيح لواقع الأمم التي وإلى عهد قريب ظننا أنها جنات الديمقراطية والعدالة على هذه الأرض، فالديموقراطية كما تعرفها المراجع هي أنظمة حكم الأكثرية، حق الشعوب في تقرير المصير، التداول السلمي للسلطة، الإقتراع النزيه، المشاركة الشعبية للحياة السياسية، حرية التعبير والإعلام والصحافة … إلخ.

لعل المعضلة التي تواجهنا في القرن الحادي والعشرين تكمن في فلسفة الديمقراطية نفسها، والتي أوقعت شعوبا كثيرة في فخها، فالفلسفة الشائعة للديمقراطية تعبر عن آلية ولا تعبر عن غاية، أي أن تعريف الديمقراطية يحوم حول ظواهره لا نتائجه، فالأنظمة  التي توسم بالديمقراطية تعمل جاهدة لخلق جوانب الحياة الديمقراطية السليمة دون وضع الهدف من هذه الظواهر نصب أعينهم، وقد يعترضنا أحدهم , ويقول لنا بأن الغاية من هذه الآليات واضح وهي سعادة الفرد وتحقيق نموه، وهنا مفترق الطرق!

إن أول ما يتبادر للمواطن العادي حين يسمع عن الديموقراطية سعادته وتقدمه، فهو يبتغي السعادة والأمان ونيل كامل حقوقه مالم تتعدى على أحد، ويريد أن يتطور مع تطور دولته، فالمواطن التابع لدولة عظمى يريد ان يقتبس من تقدم دولته لينعكس ذلك على أسلوب حياته وأن ينتعش بانتعاشها، وجلي لنا أن نرى أن النظرة العامة للفرد البسيط تجاه الديمقراطية نظرة منطقية وسليمة بكل المقاييس.

لن نرى المراجع اللغوية وكتب الموسوعات العلمية يوما تعرف الديمقراطية كالتالي “الأنظمة السياسية التي تُعنى بتحقيق سعادة الفرد ونموه” فمما لا شك فيه، أنه حتى لو اتفق الفلاسفة على الأخذ بمذهب الغاية لتعريف الديمقراطية، فإن الحكومات كافة ستعمل على تهميش هذا التعريف لأن معيار السعادة والتطور معيار نسبي يصعب قياسه فضلا عن تحقيقه.

ولكن إن أخذنا بهذا المذهب في هذا الطرح تأكيدا على أهميته فنكون هنا أمام أربعة نماذج للأنظمة السياسية في القرن الحادي والعشرين، يتفاوت كل منهم بدرجة القرب والبعد من تحقيق غاية الديمقراطية:

١- نظام عميل لأكثر من أجندة خارجية والساعي لقتل سعادة ونمو أفراده

٢- نظام عميل لأجندة واحدة خارجية وأجندته الخاصة في المنطقة والساعي لتطوير أفراده دون الإلتفات إلى سعادته

٣- نظام عميل لأجندة خارجية بالرغم من سعيه لإسعاد وتطوير أفراده

٤- نظام يعمل لأجندته الخاصة فقط ويسعى لمنح أفراده أعلى درجات السعادة والنمو

أما أحقرهم وأقلهم شأنا، فهو النظام الأول ذو الإنتماء الخارجي لأكثر من أجندة خارجية والذي يُعنى بمحاربة سعادة وتطور مواطنيه خشية أن يشكلوا خطرا على مخطط الأنظمة الخارجية التي زرعت هذا النظام، وكمثال صارخ على هذا النموذج نظام الأسد في سوريا، الذي دمر المواطن السوري تحقيقا لأجندة إسرائيل الصهيونية وأجندة إيران الصفوية، فهذا النظام عمل ككلب ساهر يحمي حدود إسرائيل ويقدم للصهاينة أجل الخدمات بدءا من تحطيم معنويات السوريين، مرورا بمحاربة دينه و كبت بوادر رجعته، وانتهاء بتسليم الوطن منهوبا مدمرا محروقا. كما تفنن في دعم أسياده في إيران وذلك بدعم عصابات ما يسمى بحزب الله بالمال والسلاح والدعم اللوجستي والسياسيي، والتآمر على العرب وضرب وحدة أراضيهم والتجسس عليهم واغتيال شرفائهم المعارضين للمشروع الصفوي، واضطهاد أهل السنة في كل بقعة وتدنيس مقدساتهم وذبحهم وتعذيبهم وإفقارهم ونشر المبشرين الصفويين وتأمين حمايتهم وتمويلهم إلى غير ذلك مما يضع النظام الأسدي وقادته ومؤيديه وحلفاءه في الدرجة السفلى في قعر أقذر مزابل التاريخ في كل زمان ومكان.

النموذج الثاني نظام يطبق أجندته وأجندة غيره ويسعى لتطوير الفرد والبلاد ولكن سعادة الفرد هي أدنى الأولويات لديه لصعوبة التوفيق بين أجندته وسعادة مواطنيه، يمثل هذا النموذج بلا منازع نظام ولاية الفقيه في إيران، التي استعبدت شعبها بديانتها الإثني عشرية (بالرغم من سعي الحكومة لتطوير الفرد) وقدمتهم بالإضافة لشعوب أخرى قربانا لأجندتها الصفوية الشعوبية و لأجندة الصهيونية العالمية بالرحب والسعة، وما نظام ولاية الفقيه إلا البديل الأمريكي الأقوى من نظام الشاه.

الحديث عن الدور الإيراني في المنطقة يطول وسنخصص مقالات خاصة ونفتح ملفات عن إيران (الذراع الأيمن لإسرائيل) لايزال كثير منا جاهلا بها.

 النموذج الثالث هو النظام الذي يسعى لسعادة أفراده ونموهم تحقيقا لأجندة خارجية وهذا النظام لا يلبث أن يوقع شعبه في أزمات تخدم الدولة التي تتحكم فيه وتعكر عليهم سعادتهم، ولهذا النموذج مثال بارز وهو نظام الجمهورية الدستورية والفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية، حليف إسرائيل المطلق. أمريكا ولا شك دولة ديموقراطية نظريا وشعبها آمن وسعيد في وطنه ولكن هل حققت ديموقراطية هذا النظام طموح الشعب حقيقة؟

مصطلح (الديموقراطة المستبدة) أو (الديموقراطية الشمولية) كان من إحدى فلسفات المؤرخ اليهودي جاكوب تالمون، جوهر هذه النظرية يتحدث عن أنظمة سياسية حاكمة تتبع آليات النظم الديوقراطية ويتمتع مواطنوها بدرجات عالية من الحرية في انتخاب ممثلي أحزابهم السياسية بعدالة، ولكن الشعب لا يشارك أو ذو مشاركة محدودة في عملية صنع القرار. نظرية الديموقراطية الشمولية تحدث عنها مفكرون قبل تالمون، ولكن يبدو لنا أن تالمون قُرت عينه برؤية الولايات المتحدة كمثال حي وربما فريد يجسد هذا النظام بحذافيره. تكمن المعضلة الأساسية الذي يواجهها الشعب الأمريكي الآن، هو أنه لايزال يظن بأنه يحصل على كل ما يريد وأن الأمور التي لم تتحقق بعد إنما هي قيد التحصيل وهذا هو الغلط الذي رسخته المؤسسات الصهيونية المسيطرة على الحياة السياسية والإعلامية في أمريكا، لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر الرئيس باراك أوباما الذي انتخبه الشعب الأمريكي “ديموقراطيا” وكان خصمه جون ماكين الذي تفنن في خطاباته المضجرة وأخطاءه المتعمدة وإعلاناته الفاشلة والتي كانت كفيلة بإجبار الشعب على انتخاب أوباما بأي ثمن، كان يكفي المواطن الأمريكي متابعة ما متوسطه خمسة دقائق يوميا من حملة ماكين لينكب على ترشيح أوباما دونما تردد، ناهيك عن مقابلات نائبة ماكين (سارة بالين) التي لم يشاهد مقابلاتها أحد إلا واستقر انطباع واحد في لاوعيه عنها، “بلهاء”!

ليست القضية قضية الفرق الشاسع بين جاذبية أوباما وماكين، أو قضية خصائص قيادية ووعود إصلاحية، ولكنها قضية شخصيات وصلت للانتخابات الرئاسية للدولة العظمى، يتسائل البعض، كيف وصل ماكين للإنتخابات التمهيدية أصلا؟! كيف لهذه الشخصية الخرفة قيادة الحزب الجمهوري وانتزاعها من شخصيات أقل ما يقال عنهم أنهم بكامل قواهم العقلية؟

يبدو للمطلع على السياسة الأمريكية أن حكومة الظل لسان حالها يقول “صوتوا لمن تشاؤون، فقد اخترنا الرئيس على أية حال”، لمن لا يعرف باراك حسين أوباما هو الرئيس الذي تربى على أيدي الصهاينة منذ اللحظات الأولى، عندما درس في جامعة هارفارد أعجبت بفطنته البروفسورة الصهيونية من الدرجة الأولى مارثا مينو ابنة أحد أقوى المؤثرين في الحزب الديموقراطي وقامت بالتنسيق مع معارفها الصهاينة أصحاب شركة حقوقية في شيكاغو لتأمين مستقبل مهني باهر لهذا الطالب “اللامع” والذي مالبث أن تحول إلى المجال السياسي ضمن شبكة ضخمة من عمالقة التأثير الصهيوني المالي والإعلامي. هكذا يختار الشعب ديموقراطيا ما تريده الصهيونية العالمية، جدير بالذكر أن الشعب مهما انتقى من أحزاب أو انتخب من رؤساء، فإنه لن يهنأ باختيار رئيسه ولو كان أطهر أمريكي في التاريخ، والسبب بكل بساطة يعود بشكل رئيسي إلى المؤسستين صهيونيتا المنشأ والتأثير والأهداف، اللجنة الثلاثية، ومجلس العلاقات الخارجية، اللذان يفترض بهما أن يقوما بدور المستشار ولكن الحقيقة أنهما هم من يصنع القرار كما قالت هيلاري كلينتون عن مجلس العلاقات الخارجية وهي تضحك في إحدى اجتماعات المجلس، فمهما غير الأمريكيون من رؤساء وأحزاب، فإن الجسم السياسي الأمريكي من مستشارين وسفراء ونواب هم مندوبون إما عن هذه المؤسسة أو تلك، وهنا يظهر لدينا مقدار بلاهة كل من يتفاءل بالمستقبل (من الأمريكان وغيرهم) كلما تقلد رئيس جديد مقاليد الحكم في البلاد رافعا شعار التغيير والأمل والحلم الأمريكي. في استبيان للآراء قامت بها ياهو فاينانس تبين أن ٤١٪ من الأمريكان يعتبرون أن الحلم الأمريكي قد ضاع و٦٣٪ يعتقدون أن الإقتصاد الأمريكي يزداد سوءً، هذه هي نتائج الدولة الديمقراطية في ظل مؤسسات متحكمة بالبلاد وتابعة لأجندة خارجية، هذه هي نتائج حكومة دولة تدفع المليارات من الدولارات لدعم المشروع الصهيوني بينما يبيت أفرادها في الخيم في العراء خلال أزمة العقار التي عصفت بها وبكل العالم. وحتى لحظة كتابة هذه المقالة، والجموع الغفيرة لحركة احتلوا وول ستريت تصارع للاعتصام بمنطقة زوكوتي بارك في نيويورك للتعبير عن سخطهم على هذه الديموقراطية الزائفة التي دعمت أي شيء باستثناء أجندة الشعب.

وأخيرا، النموذج الرابع، النموذج الذي سخر العالم بأسره لتنفيذ أجندته، وكان هدفه الأول والأخير – بحق – هو الإنسان ولا شيء غيره، النظام المتمثل بالكيان الصهيوني الذي أغرق العالم بالأزمات والحروب ليعيش أفراده رغد العيش، الذي قتل الأطفال ليحيى أطفاله، النظام الصهيوني بلا شك، هو النظام الشمولي المستبد الوحيد الذي يتصف بالذكاء فهو نظام يتصف بالتعددية والتغيير، فتعددت أحزابه وتنوع أنصاره، وأعضاؤه الماسونيون هم حقيقة من كل الطوائف والأعراق، هم متجددون في كل حقية، فبالأمس كانت حكومة الشاه واليوم صارت ولاية الفقيه، وكلٌ يحقق أهداف إسرائيل، جمهوريا كنت أيها الأمريكي أو ديموقراطيا، فسيأتي إسرائيلَ خراجُك.

لمن لا يزال يظن أن ثورات ٢٠١١ هي صنيع “أياد خارجية” أرجوكم أعيدوا التفكير والتأمل، فالشعوب قررت أن تكون أذكى من هذا النظام العالمي المستبد وقررت إسقاط عملائها كخطوة أولى لإسقاط النظام الواحدي الشمولي الأكثر إجراما في التاريخ، واسأل أي مواطن سوري شريف، ألم يصبح تحرير الجولان أقرب إلينا الآن من حبل الوريد؟