الحائط السوري
إذن سوريا دولة تحوي في أكنافها تنوعا فئويا، دينيا ومذهبيا ونحن متفقون على وحدته تحت مظلة وطنية سورية، ولكن، يبقى السؤال، هل كل الطوائف نفسها تقبل بهذه المظلة المسماة سورية؟ وهل تلام هذه الأقليات على تبعيتها لأجندات مختلفة؟ سمها خارجية إن شئت؟
لنعد قليلا إلى الوراء بالتاريخ، تيمور الشرقية انفصلت عن إندونيسيا، لأن التيموريين لم يقتنعوا بتلك المظلة ذات الروح الإسلامية، انفصلت باكستان عن الهند لأسباب دينية ولهيمنة الهندوس على مراكز الدولة وإقصاء الأقلية المسلمة (خسرت باكستان 5 ملايين شهيد في إحصاءات غير رسمية قتلتهم عصابات الحكومة الهندية خلال عملية هجرة المسلمين من الهند إلى باكستان) كما نال مسلمو البوسنة عقابهم الجماعي لقاء توْقهم للانفصال عن يوغوسلافيا الظالمة، تماما كما ذُبحت أقلية الرهوينجا المسلمة في ميانمار على يد عصابات الحكومة البوذية استباقا لمطالبهم الانفصالية (إن وجدت أو خطرت على قلب أحد)، ونشهد الأن إرهاصات انفصال إقليم كتالونيا عن المظلة الإسبانية الأم، وما انفصال جنوب السودان ببعيد، والفضل كل الفضل للرئيس البشير.
من الأمثلة السابقة نكاد نجزم أن الإنتماء الديني أو المذهبي أو العرقي قد يغلب في أحيان كثيرة على الانتماء الوطني، وإن كنا قد سلمنا بأن هذا حق وأن تلك النزعات مسلَّمات تتبع هوى النفس البشرية، إذن نحن أمام معضلة المعضلات في وطننا السوري الحبيب، نحن نتغنى بالوحدة الوطنية في حين أن من بين ظهرانينا من ينتظر ساعة الصفر لنسف سوريا بمن فيها لمصالحه الخاصة.
فلنأخذ مثالا صريحا، الإحتجاجات في دولة البحرين، نعم يحق للمتظاهرين النزول إلى الشارع والمطالبة بالإصلاحات وحرية التعبير، ولكن ما حدث هو رفع صور الخميني وخامنئي والمطالبة باستبدال نظام آل خليفة بنظام ملالي طهران، ليس موضوعنا اليوم هو إن كان يحق لهم فعل ذلك أم لا، موضوعنا هو أن هناك معضلة اسمها معضلة الانتماء اللاوطني بين الأقليات أو الأكثريات في دول العالم، وكذا العلويون في سوريا والشيعة في لبنان، كلا الفريقين وبالأغلبية يؤيدان هيمنة إيرانية على الدول والشعوب العربية وحبذا الإسلامية كلها، فكيف السبيل “لإدارة” هذه النزعة؟ جرعات الوطنية والمثاليات والكلام المعسول لم تجدي نفعا منذ مصيبة سايكس بيكو وحتى هذه اللحظة، ثمة حقيقة نرفض معالجتها لأننا في عصر الانحطاط وقد جبلنا على الإملاءات الخارجية وتفويض أمورنا للحكام المنتدبين الذين وُظفوا لتمزيق أوطاننا لا لتحقيق مطالبنا.
لعل دستورا مثاليا يضمن حقوق الجميع ويحفز المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية ضمن إطار متعدي القوميات يكون أفضل الحلول، هل لنا في نظام الولايات المتحدة عبرة؟ شخصيا لا أظن!
كنت أظن أن دولا كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تتمتع بنظام سياسي يحفظ استقرارها القومي، إلا أن مظاهرات “احتلوا وول ستريت” التي اجتاحت نيويورك أثبتت للعيان أن الأمريكان ذاقوا الأمرين من الأقلية اليهودية على الصعيدين السياسي والإقتصادي، شعار “نحن ال99 %” كان يشير وبوضوح إلى توزيع الثروة شديد الإجحاف، والهيمنة التي فرضتها الشركات والمؤسسات الصهيونية المالية منها خاصة والتي تتحكم بها عائلات تضع على سلم أولوياتها دعم الكيان الصهيوني بالرغم من هويتها الأمريكية أمثال عائلة الروثشايلد وروكيفيلر، فهل استطاع دستور الولايات المتحدة والدول العظمى الأخرى إحقاق العدل بين جميع شرائح وفئات شعوبهم وتوجيه معظم الطاقة الإقتصادية في القطاع الخاص إلى الناتج القومي لتلك الدول؟ أم أن القوانين والأنظمة كانت عاجزة على أن تحد من تسريب الثروة للمصالح الخارجية؟
الجدير بالذكر، أن اللافتات والهتافات خلال مظاهرات احتلوا وول ستريت كانت خالية تماما من أي شعارات طائفية أو عنصرية، أي خالية من شعارات “معاداة السامية” رغم يقينهم من صهيونية هذه المؤسسات، كما أن شعارات الثورة السورية كانت ولا زالت خالية من الطائفية رغم يقين الشعب بمجمله من تحكم الأقلية العلوية بالثروة القومية والجيش والمؤسسات الحكومية، وكلا الفريقين، احتلوا وول ستريت والجماهير المنتفضة السورية، يسعيان برقي وحضارة لاثبات عدالة مطالبهما وبراءتها من أي نزعة تفرقة أو تعصب، ولم يشفع ذلك لكيلهما طالما أن من يتحكم بالإعلام هو ذات الخصم، وطالما كانت شماعة معاداة السامية والطائفية هي الحل الأنجع لفض الاعتصامات وتكميم الأفواه بل وذبح والأطفال وتدمير المدن كما في الحالة السورية.
وفي وضعنا وزماننا الحزينيْن، يستوجب علينا إن كنا في الطريق لتأسيس دولة مدنية تعددية حديثة، أن نعلم بأننا مطالبون بالعدل بين فئات المجتمع السوري، لا المساواة! من وجهة نظري، لا تصح المعاملة بالمثل بين كل الأقليات مهما كانت الدوافع والأهداف، ففي عصر المسلمين الذهبي، كان التكافل الإقتصادي مفروضا على جميع المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، فكان المسلم يدفع الضريبة المفروضة كما كان يدفعها الذمي، إلا أن الأولى كانت تسمى زكاة، والثانية جزية، وكانت تعفى عن العاجز من أي الفريقين، وهذا هو الفرق بين العدل والمساواة، ليس من الظلم أن تعامل فئة من الشعب بقوانين خاصة طالما كانت تلك الفئة ذات انتماء يتعارض مع التوجهات الوطنية للدولة، إن خصوصية الأحكام لبعض الأقليات عدل بهم وحماية للأغلبية الذين هم عماد الوطن من شر عدو يتربص بهم، وبالأقلية اللاوطنية ذاتها، وبأقليات أخرى لا ناقة لهم في القضية ولا جمل، ولمن لا يدري أو يتظاهر بعدم الدراية، هذه السياسة هي السائدة في كثير من دول الغرب والشرق بل والإسلامية إلا أنها تختلف عن طرحي بأنها ضد الأقلية المسلمة فقط، وأنها في حقيقتها ظالمة جائرة، كما في الصين، حيث يحدد نسل المسلمين الإيغور (تركستان الشرقية) ويوضع سقف للإنجاب ويحرمون من بناء المساجد ورفع الأذان والتفقه بتعاليم الإسلام واستخدام الأحرف العربية في الكتابة، لكن من باب التأكيد مرة أخرى، هذه المعاملات “الخاصة” تجاه الأقليات أو الفئات المسلمة التي يُنظر إليها بعين الريبة، ليست ما أقصده في هذه المقالة، لأن هذه الممارسات هي انتهاك صارخ لأبسط الحقوق المدنية، والتي -بالضرورة- تؤدي على المدى البعيد لإذكاء العداء والشعور بالمظلومية ومن ثم تهديد الإستقرار القومي/الوطني في الدولة، ما أتمناه حقا هو السعي لتأسيس دولة تعيد النظر في التعامل مع الأقليات ذات الانتماءات الخاصة والتي تلوح بطريقة أو بأخرى بالتقسيم، أو الاستجداء بدول أجنبية، أو تسخير الثروة القومية وفق أجندات خارجية، مع ضمان الحفاظ على حقوقهم وحرمة المساس بمعتقداتهم ودمهم وأعراضهم وأموالهم كما يأمرنا بذلك ديننا الحنيف.
الجدير بالذكر، أن بعض الدول الإسلامية تطبق المعاملة الخاصة مع الفئات الأجنبية في بلادها، فتضع قيودا صارمة على تملك العقار، والتجارة، والعمل، والدراسة، والزواج، ولكن مع الأسف يطبق هذا بشكل تعسفي وضد الفئات التي لا تحيد في توجهاتها عن توجهات الدولة والمواطنين الأصليين قيد أنملة، كمثال واضح عن فشل سياسات هذه الدول عن احتواء المشاكل الاجتماعية التي تعيشها.
بناء نظام وطني يعدل بين فئات المجتمع ولا يساوي بينها مع ضمان صمود هذا النظام في وجه الغضب الدولي والداخلي المحدق به هو في حقيقته أشبه بالخيال، أو بجمهورية أفلاطون الفاضلة، سمها جمهورية يوتوبيا السورية إن شئت، هذه الدولة المثالية مات أفلاطون ومور والفارابي ولم يروا مثلها، لكن في الحقيقة عرف التاريخ مجتمعا بشريا أقرب للكمال، يوم فاض المال ولم يبت طير من الطيور جائعا، وهذا العصر الذهبي إن كنا – بوعينا أو لا وعينا – نتجنب في الخوض فيه أو استحضار النية للسير إليه، فهو آت لا محالة، وما ثورة الشام إلا إحدى إرهاصات عودة الخلافة الراشدة، وهذا كلام الصادق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.
وفي الختام أطالب “المثاليين” من أبنائنا بتبني نبرة أشد صرامة تجاه الفئات ذات الانتماء اللاوطني التي كشفت اللثام عن وجهها الحقيقي في مواقف عصيبة لا حصر لها، وأدعو أن يلينوا تجاه من ينتقد هذه الفئات ويغلظ عليهم الخطاب، أرى أنه من المثالية ألا نكون مثاليين في الوقت الذي أمسينا في عالم لا يعترف بنا، ولا بمثالياتنا الظالمة لأنفسنا، وحتى يأتي اليوم الذي نعامل فئاتنا اللاوطنية بقليل من الخصوصية، فلنتوقع الكثير من مشاهد الاضطهاد والتقسيم والتدخلات الخارجية، بفعل الأقلية السعيدة، لا الأكثرية المكلومة.


