الحائط السوري
إني آمل في تدوينتي هذه وبحكم أني مواطن سوري، أن أدلي بدلوي وأن أشارك برؤيتي الشخصية حول نصرة ثورتنا المباركة والإشارة إلى مواطن ضعفها – من وجهة نظري – والإرتقاء بها حتى سقوط النظام وتحقيق سوريا الحرة التي طال انتظارها.
إن من أبرز ما يميز سوريا هو الفسيفساء العرقية والمذهبية التي أعطت لسوريا رونقها خلال قرون عدة، لكن هذا التنوع قد بات يشكل عائقا أمام الخلوص لرؤية واضحة للخروج من مستنقع الإبادة الجماعية التي تمارس على الأكثرية الطائفية في سوريا، فلا تكاد مشاركة كافة الأطياف في تحديد مسار الثورة ترسم إطارا موحدا يخرجنا منتصرين، ولا تجاهل عناصر المكون السوري يعطي نتيجة أفضل، فما هو الفخ الذي وقعت فيه ثورتنا دون غيرها من الثورات؟
لقد ضاق الخناق على الثوار في الشام، ودأب الجميع على البحث عن أفضل السبل – وإن لم تكن أقصرها وقتا – للخروج منتصرين وبأقل الخسائر، فشارك معنا السني والمسيحي والعلوي والدرزي والملحد والليبرالي والمحافظ وكل من قال أنا سوري، وأنا أقول، جزى الله خيرا كل من أراد لسوريا خيرا، ولكل محب وطني ألف تحية وأعمق امتنان.
ولكننا نسينا أو تناسينا أن أهل السنة والجماعة كمكون مذهبي يمثل ما يزيد عن ال 74% من سكان سوريا الحالية، وأنهم بطبيعة الحال أغلبية ساحقة لها حقوقها وطقوسها واعتزازها بمعتقدها، إن همّ نظام الأسد الأول والأخير لأربعين سنة مضت كان يتمثل في فصل الإنتماء السني وطمس الهوية السنية في المدن الكبرى قدر المستطاع، لما في هذا الإنتماء من تعارض مع أجندة هيمنته على سوريا، وما إن انفجر الشعب السوري – ذو الغالبية السنية – في وجه النظام الطائفي حتى سارعت جميع القوى الدينية والعلمانية الأخرى لنفي الصبغة الإسلامية عن الثورة، ونحن إن كنا لا ندعي أن ثورتنا جهاد مخطط، إلا أننا لن نستطيع فصل العامل العقائدي الذي تسلح به أغلب الثوار وقوّى من عزائمهم في وجه الإرهاب الذي سلطه النظام على الشعب، وهنا وجب على الجميع الاعتراف أن غالبية الثوار هم من أهل السنة وأن معظمهم مطبقون لأحكام دينهم وينظرون لمظاهراتهم كجهاد لدفع الظلم وإعلاء كلمة الحق وأن ضريبة هذه الكلمة قد تكون الدماء ومكافاة هذه الدماء هي جنة عرضها السماوات والأرض.
إن كنا قد وعينا ما سبق، فإننا ندرك أن من يقود الثورة ينبغي أن ينتمي لنفس الفئة، وأن من تكفل بذراعها العسكري والسياسي يتوجب عليه بالضرورة أن ينبثق من نفس القوى المحركة والفاعلة على الأرض، ليس لأن العناصر الأخرى مهمشة أو سلبية، بل لأن الثورات تاريخيا لا تستقيم في ظل هذا التعارض.
إن المعضلة الأساسية التي نمر بها الآن، هو مشاركة جميع أصوات المعارضة في العملية السياسية دفعة واحدة بنسبة عشوائية لا تحاكي النسب الموزعة ديموغرافيا في سوريا، فمن وجهة نظري لا يستقيم تنصيب برهان غليون ذو التوجه العلماني رئيسا للمجلس الوطني لأنه لا يمثل طائفة الأغلبية الساحقة التي ثارت في الداخل، إن وجود غليون وبسمة القضماني وجورج صبرا وبسام جعارة في المجلس الوطني أمر مشرف بل هو مطلوب، على ألا يهمشوا أعضاء المجلس الوطني من الطائفة السنية الممثلة وبشكل مباشر للثوار على الأرض.
جميعنا متفقون بأن مطلبنا واحد وهو الحرية، ولكن لا يصح أن يدار هذا المطلب من خلال المزيج الطائفي الذي سلمناه زمام الثورة، إن سوريا دولة مسلمة سنية بحكم غالبية سكانها، لذا وجب تسليمهم حق المصير قبل غيرهم، ومع احترامنا لباقي الطوائف، نحن لا ننفي مشاركة الجميع في عملية ولادة سوريا الحرة، ولكنه ليس من العدل أن نساوي بين تضحيات السنة مع غيرهم.
إن ما ارتكبه الهالك جمال عبد الناصر في نسف هوية سوريا الأصلية ليستحق عليه اللعن في كل لحظة، إن فرض كلمة “العربية” على اسم جمهوريتنا لهو إجحاف مثير للإشمئزاز وتهميش جائر للأخوة الأكراد والآشوريين والتركمان والأرمن والشركس والأتراك، إنها لمزايدة رخيصة لعب على وترها طاغوت كعبد الناصر وحافظ الأسد، وإذا بنا نقع في نفس الظلم عندما يسعى كل فريق لتجريد الثورة السورية من طبيعتها السنية التي جسدها الثوار على الأرض.
إن إسراف الثوار والمعارضة في إخفاء الهوية السنية التي تتسم بها الثورة سعيا منهم لتطمين الأقليات وإثبات وسطية الثورة وبراءتها من التطرف الديني، هو في حد ذاته إفساد للثورة من الداخل، فلا يصح ان يترك السنة تشكيل ملامح سوريا الجديدة لغيرهم، هم من بادر وهم من ضحى وهم من يجدر بهم أن يقطفوا ثمار ما بذروه، فإن قال قائل، إن في ذلك إجحافا للأقليات وتمهيدا لدولة دينية (ثيوقراطية) متطرفة تهدد أمن الداخل والخارج، فنحن نقول، إن هذا قرار من رفع شعارات “الله أكبر” و”هي لله” و”واحد واحد الشعب السوري واحد سلمية إسلام ومسيحية”، فإن كنتم لا تأمَنون هذه الغالبية التي ذاقت ولا زالت تذوق الويلات في سبيل تحقيق حرية وطنكم فأعلنوها صراحة أنكم مع النظام الطائفي الذي تدعمه روسيا والتي صرحت عنوة بتخوفها من عودة نظام سني (رغم الأغلبية الساحقة)، وإلا، فدعوا الثورة السورية تأخذ مسارها الصحي بجعل عقيدة السنة دستورا يمشي الثوار على نوره، فلا يصح أن نترك القيادة لأقلية يتعارض فكرها مع فكر السواد الأعظم، روحيا وميدانيا وسياسيا وعسكريا، إن في تسليم الخطاب الإسلامي السني قيادة الثورة مصلحة الأطياف جميعا، وضرورة تفرضها هذه المرحلة الخانقة التي انقسم بها كل الأطراف بمن فيهم السنة لافتقادهم للبوصلة الحقيقة التي كانت معهم طول الوقت دون أن يعلموا.
وللتذكير، ما ذكر آنفا ليس من قبيل الطائفية، إن الطائفية ليست التحذير من العقائد الشركية والمذاهب الضالة في خطب الجمعة في الدول ذات الأغلبية السنية، إن الطائفية هو أن أدير شركة فأطرد الموظف النشيط الغير سني لأوظف سنيا كسولا عوضا عنه على أساس طائفي، ليست الطائفية التحذير من تسليم قيادة الجيش والأمن لطائفة معينة، ولكن الطائفية حرمان طائفة بعينها من حقوقها التي لا تتفق مع أجندة أعداء خارجيين.
من المؤسف أن نرى التاريخ البشري حافلا بطائفية حقيقية ونحن لا نزال نقدم التنازلات تلو التنازلات، فرضت إيران ثورة “إسلامية” على شعب يشكل نسبا متفاوتة بين شيعة ومجوس ويهود ومسيحيين وسنة وصابئة ويارسانية وبهائية وعلمانيين وملاحدة، وإن كنت أظن أن ذلك حقهم في حال لاقى تأييد الأغلبية ولم يظلم مواطنا، إلا أني أستغرب المعايير المزدوجة من الغرب والعرب على حد سواء، فلماذا هي حلال على إيران التي أجرمت بحق السنة والأهوازيين العرب لقرون، وحرام على سوريا موطن الأمويين الذين صانوا حقوق الأقليات كالمسيحية واليهود الذين لم يهجّروا حتى من قلب دمشق القديمة طوال 1400 !؟
إن الطائفية هي التي دفعت الإسبان لعمل محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود والتي قادتهم لغزو أمريكا الجنوبية واستعباد الهنود الحمر، إنها الطائفية ذاتها التي دفعت سلالة الصفوي الحاكمة لذبح السنة في إيران والتي ألهمت حسن نصر الله إرسال حزبه لذبح السوريين، إنها الطائفية التي دفعت العرق الأبيض البريطاني لاستعمار الهند والصين ومصر، ذات العرق الذي يقود العالم الآن بعنجهيته وعنصريته، ونحن منهمكون في تهميش ديننا الذي هو عصمة أمرنا في سبيل إرضاء الأقليات والعالم بأسره على حساب المكون الرئيس للكيان الجفرافي الذي هو موضوع هذا المخاض التاريخي أصلا.
إن من وجهة نظري “الطائفية” هو أن نسلم راية القيادة للخطاب الديني السني الذي هو في طبيعته متزن وعادل وممثل للأغلبية، لأن فيه خير وسعادة الأطياف كافة، والتاريخ خير دليل على ذلك، وحدها المرجعية الإسلامية السنية كفيلة بإعطاء الحلول حول معضلات ثورتنا المباركة، بها نعرف متى نسلح ومتى نبقيها سلمية ومتى ننهيها إن اضطررنا ومتى نتحالف ومع من وكيف وما هو موقفنا من الخصوم وكيف نتعامل معهم.








